أضابير وهوامش
نقابة الصحفيين السودانيين... نحو وطن يسوده السلام
محمد الأمين عبد النبي
احتفل العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة لعام 2026م، تحت شعار "بناء عالم يسوده السلام"، لتتجدد الأسئلة الكبرى حول موقع الصحافة في عالم تتسع فيه رقعة النزاعات، وتتداخل فيه الحقيقة مع الدعاية، وتتنازع فيه المعلومة المهنية مع موجات متسارعة من التضليل الرقمي. وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا عند النظر إلى مشاهد الحروب المشتعلة، ومنها ما يعيشه السودان منذ اندلاع الحرب، حيث دفعت الكلمة الحرة ثمنًا باهظًا وسط القبح والتوحش، وتعرض الصحفيون لمخاطر الاستهداف والنزوح وتضييق الوصول إلى المعلومة. وفي هذا السياق المضطرب، أصبح العمل الصحفي مسؤولية تاريخية في كشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات ومعاناة المدنيين، ومقاومة خطاب الكراهية، وصناعة وعيٍّ عام يمكن أن يسهم في حماية المجتمعات وتهيئة الطريق نحو سلام أكثر عدالة واستدامة.
قبيل اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من مايو 2026م، أصدرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بالتعاون مع The Nerve وشركاء آخرين، تقريرًا كشف عن تصاعد مقلق في العنف الرقمي ضد النساء، خصوصًا الصحفيات والعاملات في الإعلام والمدافعات عن حقوق الإنسان. وأظهر التقرير تعرض نسبة من المُشارِكات لانتهاكات خطيرة شملت نشر صور شخصية دون موافقة، واستخدام تقنيات التزييف الرقمي، والتحرش الجنسي عبر الرسائل الإلكترونية، في سياق حملات منظمة تهدف إلى إسكات النساء وتقويض حضورهن العام. كما بيّن تسجيل آثار نفسية خطيرة، مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. وتكمن أهمية التقرير في ربطه بين تصاعد الإساءة الرقمية وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ضعف الحماية القانونية، محذراً من أن استمرار هذه الفجوة يهدد حرية التعبير وسلامة النساء ومشاركتهن في المجال العام.
وفي اعتراف دولي بحجم التضحيات التي يقدمها الصحفيون السودانيون -وسط واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في المنطقة-، منحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، جائزة اليونسكو/ غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة إلى نقابة الصحفيين السودانيين، تقديراً لدورها في الدفاع عن حرية الصحافة وتوثيق الانتهاكات منذ اندلاع الحرب. ووفقًا للبيانات التي استندت إليها اليونسكو، فقد أسفرت الحرب عن مقتل (32) صحفيًا، وتوثيق (556) انتهاكًا بحق العاملين في المجال الإعلامي، إلى جانب توقف عدد كبير من الصحف والمحطات عن العمل، في مشهد جعل السودان واحدًا من أخطر البيئات لممارسة العمل الصحفي.
وأكد المدير العام لليونسكو، خالد العناني، أن أعضاء النقابة أظهروا شجاعة استثنائية وإصرارًا مهنيًا نادرًا، وواصلوا، بالرغم من المخاطر والانهيار الإنساني، تقديم معلومات دقيقة لمجتمعاتهم في لحظات بالغة الحساسية، معتبرًا أن ما يقومون به يمثل خدمة جوهرية للحقيقة والمساءلة والسلام. وفي الوقت ذاته، أكد نقيب الصحفيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، على أن هذا التتويج لا يمثل تكريماً للنقابة وحدها، فهو اعتراف بدور الصحفيين السودانيين الذين يواصلون الدفاع عن الحقيقة وإيصال أصوات المدنيين المتأثرين بالحرب في ظروف بالغة الخطورة.
وتُعد جائزة غييرمو كانو، التي أطلقتها اليونسكو عام 1997م، وسُمّيت باسم غييرمو كانو إيسازا، الذي أُغتيل عام 1986م، أرفع تكريم أممي يُمنح للصحفيين والمؤسسات المدافعة عن حرية الصحافة، وهو ما يمنح هذا التتويج دلالة تتجاوز الاعتراف المهني إلى شهادة دولية على صمود الصحافة السودانية في مواجهة الحرب.
تكتسب نقابة الصحفيين السودانيين خصوصيتها من كونها خرجت من الإرادة الحرة للصحفيين، لا بقرار سلطوي أو ترتيبات فوقية، لتُعد من أبرز المؤسسات التي تشكلت في الفضاء السياسي والاجتماعي الذي أفرزته الثورة السودانية، وتصبح أول نقابة منتخبة تعبِّر بصورة مباشرة عن القاعدة الصحفية والقوة الصامتة. واستطاعت النقابة أن تصمد أمام التحولات العاصفة التي أعقبت انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وصولًا إلى الحرب في 15 أبريل 2023م، حيث برزت كفاعل مهني ووطني يمتلك شرعية مستمدة من قواعده المهنية ومن الامتداد الاجتماعي الذي تمثله قوى الثورة. ويأتي هذا الدور امتدادًا لتاريخ سوداني راسخ ارتبطت فيه الأجسام النقابية بقيادة التحولات الوطنية. وفي ظل الحرب وما فرضته من تحديات غير مسبوقة، تولت النقابة مسؤولية الدفاع عن حرية الصحافة والحقوق المهنية والاجتماعية والمدنية، انطلاقاً من مسؤولية الإعلام باعتباره سلطة رابعة، وسعيًا إلى مقاومة خطاب الحرب، والانحياز لقضايا المدنيين، والعمل من أجل وقف الحرب وتحقيق السلام وحماية التحول الديمقراطي.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، ومع التكريم الدولي المستحق الذي نالته نقابة الصحفيين، تتعاظم المسؤولية الوطنية والأخلاقية للصحفيين السودانيين في لحظة تعد من أكثر لحظات البلاد قسوة وتعقيدًا. ليعد العمل الصحفي واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا في مواجهة حملات التضليل وتغبيش الوعي، ومحاصرة خطاب الكراهية الذي يغذي آلة الحرب، وفضح أمراء الحرب ومنصات الدعاية التي تحاول إعادة تشكيل الحقيقة لخدمة العنف والانقسام. وفي خضم هذه المعركة، يصبح الدفاع عن إعلام مهني مستقل جزءًا أصيلًا من معركة السلام العادل والشامل والتحول المدني الديمقراطي. وكما قال الأديب جورج أورويل: "في زمن الخداع العالمي يصبح قول الحقيقة فعلًا ثوريًا".



التعليقات (0)
جاري التحميل...