ادفع بالتي هي أحسن

د. عبد المحمود أبو

 

الإنسان أتى على خلفية حوار بين الله سبحانه وتعالى والملائكة. والملاحظ أن الملائكة أبدوا دهشتهم وتساءلوا مشفقين من مصير الكون إذا جاء هذا المخلوق الذي يختلف عن الموجودات! فما دام الكون كله منسجمًا وخاضعًا لله، فما الحكمة من ظهور مخلوق وسط الكائنات يأتي بأساليب تتناقض مع الانسجام الكوني؟ قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ..." (البقرة:30).

وإبليس تبرم من مجيء الإنسان بل رفض الانصياع لأمر الله لاعتقاده أنه الوحيد الذي يستحق التكريم لأنه -حسب اعتقاده- انفرد بنقاء العنصر، مما يؤهله لمعرفة الحق وأنه أحق بالتكريم. قال تعالى: "إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ" (ص: 74-76).

وهذه الحياة الدنيا بكل مكوناتها قائمة على التعدد والتنوع في كل مظاهرها، يظهر ذلك في الجمادات كما يظهر في الحيوانات وكذلك المناخ والفصول... ومع تطور الحياة وأساليبها وتداخل المجتمعات والحضارات ظهرت أنواع مختلفة من أساليب الحياة وممارساتها، وصار هنالك وعي بالتعدد والتنوع في المجتمعات الإنسانية... قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"(الحجرات:13).

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد أذهب عنكم عُبيّة الجاهلية وفخرها بالآباء؛ مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب. ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هـم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن".

إن العالم بحضاراته المختلفة، وتنوعاته الهائلة، وأعراقه، وأجناسه، وأفكاره ولغاته، ليمثل منظومة رائعة متكاملة، تعطي ثراءً لا نهاية له، وروعة لا حدَّ لها. ولو كان البشر كلهم على شاكلة واحدة لعانى الناس من السآمة والملل، والكآبة والإحباط.

ما تقدم يؤكد أهمية التنوع وضرورته للحياة البشرية، ويمكن أن نستخلص الحكم الآتية:

الحكمة الأولى: تبادل المنافع: الإنسان مطالبه متعددة، وحاجاته متزايدة، وعطاؤه متجدد، واحتياجاته أكبر من قدراته، وطاقته أقل من تطلعاته، وقد ينتج أشياء أكبر من حاجاته، فالتنوع يتيح مجالًا لتبادل المنافع بين بني الإنسان، وهي منافع متنوعة في ذاتها؛ فتبادل الخبرات فيه منفعة، واكتشاف الأخطاء منفعة، والوعي بالقصور منفعة، ومظاهر الحياة مليئة بالأنشطة الإنسانية القائمة على تبادل المنافع بين البشر في المجالات كافة.

الحكمة الثانية: التعارف قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..." (الحجرات:13).

والتعارف يكسب الإنسان خبرة بالحياة وتعقيداتها، خاصة في اختلافات طبائع البشر وتنوع رغباتهم وأهدافهم وعاداتهم وتقاليدهم وأعراقهم، فيتمكن من التعامل معهم كلٌّ حسب طبيعته وأسلوب حياته، وبذلك يدرك أن الحياة أوسع في معارفه واهتماماته، وهذا من شأنه أن يرسّخ عنده ثقافة قبول المخالف والتسامح معه.

الحكمة الثالثة: التدافع والتفاعل قال تعالى: "... وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ..." (البقرة:251)، يقول الإمام الرازي "لا تتم مصلحة الإنسان الواحد إلا عند اجتماع جمع في موضع واحد، ولهذا قيل الإنسان مدني بالطبع، ثم إن الاجتماع يسبب المنازعة المفضية إلى المخاصمة أولًا، والمقاتلة ثانيًا، فلا بد في الحكمة الإلهية من وضع شريعة بين الخلق..."، ثم ذكر من هؤلاء الذين يدفع بهم الظلمة والطغاة إما أهل الحق، وإما غيرهم، كما ذكر أن التدافع بهذا المعنى لا يقع بين أهل الحق. وقد بين الله تعالى حكمًا أخرى من هذا الدفع حيث يقول الله تعالى: "... وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً..." (الحج:40)، حيث دلَّ على أنه بهذا الدفع تحمى الشرائع وأهل الحق، وأماكن العبادة.

إن فلسفة الإسلام في الحضارات تقوم على أساس الدفع نحو الأحسن، وبالتالي فإن هذا يترتب عليه عملية التوارث، والتفاعل الحضاري، وليس صراع الحضارات.

وإذا نظرنا إلى النصوص الشرعية لوجدناها صريحة في الدلالة على ضرورة الأخذ بكلِّ ما هو نافع وصالح. ويؤكد الإسلام على ضرورة التفاعل الحضاري من خلال العلم والقراءة ومن خلال السير في الأرض والنظر فيها، وفي أهلها، وأممها للوصول إلى فقه سنن الله تعالى في هذا الكون، وفي الأمم والحضارات، من سنن التقدم والنصر والتمكين، وسنن الهزيمة والتخلف، فقال تعالى:" قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ" (آل عمران:137)، وقد ورد في الحديث أن:  "الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنى وجدها"، فمن خلال العلم والقراءة والتاريخ يحدث التفاعل الحضاري، حيث تستفيد الحضارة اللاحقة من الحضارة السابقة وتبني عليها.

الحكمة الرابعة: معرفة قيمة الخير والشر: الإنسان العاقل لديه مقاييس يدرك من خلالها ما يضره وما ينفعه، وهنالك أشياء لا تظهر قيمتها إلا بمعرفة نقيضها مثل الظلمات والنور والحق والباطل والصحة والمرض... ألخ، فمن حكم الله تعالى أن جعل الحياة متنوعة ليعرف الإنسان من خلالها مظاهر الخير فينميها ومظاهر الشر فيتخلص منها.

التنوع من صنع الله، فهو سبحانه وتعالى خلق الإنسان مفطورًا على التنوع للحكم التي سلف ذكرها وغيرها من الحكم، ولذلك وضع الإسلام منهجًا حكيمًا للتعامل مع ظاهرة التنوع يقوم على أمرين:

الأول: الاعتراف بالتنوع كواقع اجتماعي ملموس، في كل مظاهره ويؤكد شرعية وجوده ووضع أحكامًا تنظم العلاقة مع أطراف التنوع كافة، قال تعالى: "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" (الكافرون:6). وقال تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ" (الروم:20-22).

الثاني: كفالة حقوق جميع الأفراد والمجموعات على اختلاف معتقداتهم وتنوع ثقافاتهم وأفكارهم، وحتى أولئك الذين يدينون بمعتقدات تتناقض مع أحكام الإسلام، فإن منهج الإسلام ينهي عن الإساءة لمقدساتهم قال تعالى: "وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأنعام:108). ونهى الإسلام عن ظلم المخالفين والخصوم قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة:8).

إن منهج الإسلام يحفظ للإنسان حقوقه وكرامته لمجرد كونه إنسانًا يحمل بين جنبيه قبسًا من روح الله؛ يعترف له بهذه الحقوق بغض بالنظر عن اعتباره أو جنسه أو لونه، والنص القرآني:  "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" (الإسراء:70).

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...