مهدي داود الخليفة
في لحظة سياسية شديدة التعقيد، وفي ظل حرب تدخل عامها الرابع دون أفق للحسم العسكري، انعقد الاجتماع التشاوري للقوى السياسية والمدنية السودانية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 4 يونيو 2026م برعاية الآلية الخماسية. وقد جاء الاجتماع وسط انقسامات حادة بين القوى السياسية، وتشكيك مسبق من بعض الأطراف، ورفض من قوى أخرى، الأمر الذي جعل السؤال الأكثر أهمية هو: هل نجح الاجتماع بالفعل؟ أم أنه مجرد محطة جديدة في سلسلة اللقاءات التي لم تنجح حتى الآن في وقف الحرب؟
هل نجح اجتماع أديس أبابا؟ إذا قيس النجاح بمدى التوصُّل إلى توافق سياسي بين أطراف كانت حتى وقت قريب متباعدة المواقف، فإن الاجتماع حقق تقدمًا لا يمكن تجاهله.
فقد نجحت قوى سياسية ومدنية متنوعة، تشمل: حزب الأمة، والمؤتمر الشعبي، وتحالف "صمود"، وقوى من الكتلة الديمقراطية، وحزب البعث، ومنظمات المجتمع المدني والنساء والشباب، في إصدار بيان مشترك يؤكد جملة من المبادئ الأساسية:
ضرورة وقف الحرب.
إطلاق عملية سياسية سودانية.
تشكيل لجنة تحضيرية للعملية السياسية.
الحفاظ على وحدة السودان وسيادته.
التصدي لخطاب الكراهية والعنصرية.
التمسك بالعدالة والمحاسبة.
السعي نحو عقد اجتماعي جديد.
هذه المخرجات تمثل -في حدِّ ذاتها- اختراقًا مهمًا في المشهد السياسي السوداني الذي ظل أسيرًا للاستقطاب والانقسام منذ اندلاع الحرب.
لكن النجاح ظل نجاحًا جزئيًا وليس كاملًا، لأن الاجتماع لم يتمكن من جمع كلِّ الأطراف المدنية والسياسية المؤثرة، كما أن بعض الخلافات الجوهرية المتعلّقة بملكية العملية السياسية، ومعايير المشاركة، والعلاقة بين المساريْن السياسي والعسكري، ظلت قائمة ولم تُحسم بصورة نهائية.
لذلك يمكن القول، إن اجتماع أديس أبابا لم يحقق السلام، لكنه نجح في إعادة بناء جزء من المركز المدني والسياسي المناهض للحرب، وهي خطوة كانت ضرورية ومفقودة خلال السنوات الماضية.
ماذا تعني تحفظات الحركة الشعبية- التيار الثوري الديمقراطي، وحركة تحرير السودان؟ على الرغم من المشاركة الفاعلة للحركتيْن في الاجتماعات، فإنهما امتنعتا عن التوقيع على الوثائق النهائية، وهو تطور يستحق التوقف عنده بعناية.
فالحركة الشعبية- التيار الثوري الديمقراطي بقيادة ياسر عرمان، عبرت من خلال نائبة رئيسها بثينة دينار عن جملة من التحفظات الجوهرية، أهمها أن العملية السياسية انطلقت قبل الاتفاق على تصميمها النهائي مع الآلية الخماسية، وأنها لم ترتبط بصورة عضوية بالكارثة الإنسانية وحماية المدنيين ووقف إطلاق النار.
كما اعتبرت الحركة، أن أية عملية سياسية لا يلتزم طرفا الحرب مسبقًا بنتائجها ستظل أقرب إلى النقاش النظري منها إلى مشروع سياسي قادر على تغيير الواقع. وذهبت أبعد من ذلك حين رأت أن المسار الحالي أضعف من المبادرات التي سبقت الحرب نفسها، وأن البيان الختامي جاء عامًا ولم يقدم مقاربة متكاملة لمعالجة الأزمة السودانية.
أما حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد أحمد النور، فقد اتخذت موقفًا مختلفًا في التفاصيل، لكنه قريب في جوهره من حيث المخاوف المتعلقة بمستقبل العملية السياسية. فقد أعلنت الحركة أنها امتنعت عن التوقيع بسبب رفض تضمين نصٍّ واضح يقضي بإبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من العملية السياسية.
وترى الحركة أن القوى المرتبطة بالنظام السابق تتحمل مسؤولية مباشرة عن إشعال الحرب، وأن إشراكها في أي ترتيبات سياسية جديدة، يمثل نوعًا من المكافأة السياسية لمن تسببوا في الكارثة الحالية.
ومن هنا، فإن الخلاف الأساسي لم يكن حول ضرورة وقف الحرب أو إطلاق عملية سياسية، بل حول سؤال بالغ الأهمية: من يحق له المشاركة في صناعة مستقبل السودان؟
ويظل السؤال هل تضعف هذه التحفظات مخرجات أديس أبابا؟ الإجابة الموضوعية هي: نعم، ولا.
نعم، لأنها تكشف عن أن الإجماع الذي بدا في البيان الختامي أنه ليس إجماعًا كاملًا، وأن هناك خلافات حقيقية حول قضايا أساسية تتعلق بهُوية العملية السياسية ومشاركيها وأهدافها النهائية.
كما أن غياب توقيع قوى ذات ثقل سياسي وتاريخي مثل الحركة الشعبية- التيار الثوري الديمقراطي، وحركة تحرير السودان، يقلل من صورة التوافق الشامل التي سعى الاجتماع إلى تقديمها.
لكن في المقابل، لا تعني هذه التحفظات فشل الاجتماع أو انهيار مخرجاته.
فاللافت أن الحركتيْن لم ترفضا مبدأ العملية السياسية، ولم تعلنا مقاطعتها، بل شاركتا في الاجتماعات ووافقتا على الهدف المركزي المتمثل في إنهاء الحرب وإطلاق مسار سياسي جديد.
وبالتالي، فإن الخلاف يدور حول شروط العملية السياسية وآلياتها وليس حول مبدأ السلام نفسه.
بل يمكن القول إن هذه التحفظات قد تمنح العملية السياسية فرصة للتطوير إذا جرى التعامل معها بجدية، لأنها تطرح أسئلة حقيقية حول العلاقة بين وقف الحرب والعمل الإنساني، وحول العدالة والمحاسبة، وحول حدود المشاركة السياسية للقوى المرتبطة بالنظام السابق.
لذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود التحفظات، بل في تجاهلها.
هل تشكل مخرجات الاجتماع حافزًا للقوى التي قاطعت اللقاء؟ الإجابة الأقرب للواقع هي: نعم، ولكن بشروط.
فالقوى التي قاطعت الاجتماع لم تكن كتلة واحدة، بل ضمت تيارات مختلفة لكل منها دوافعها الخاصة.
الحزب الشيوعي السوداني -على سبيل المثال- لم يرفض مبدأ العملية السياسية، بل اعترض على طبيعة المشاركين ومعايير التمثيل، وأكد استعداده للتشاور مع الآلية الخماسية بصورة منفصلة.
أما بعض القوى الأخرى فقد ركزت على ضرورة أن يكون الحوار سودانيًا خالصًا، وأن تُحترم الملكية الوطنية للعملية السياسية.
ومن هنا، فإن نجاح المرحلة القادمة سيعتمد على قدرة اللجنة التحضيرية على استيعاب هذه الملاحظات وتوسيع دائرة المشاركة دون إغراق العملية السياسية أو تحويلها إلى ساحة جديدة للصراع السياسي.
ويبقى السؤال المهم هو: كيف سيتعامل طرفا الحرب مع مخرجات الاجتماع؟
موقف الجيش
من المتوقع أن يتعامل الجيش بحذر شديد مع مخرجات أديس أبابا.
فالقيادة العسكرية ظلت تنظر إلى كثير من المبادرات السياسية الخارجية باعتبارها محاولات للضغط عليها أو فرض ترتيبات سياسية قبل حسم المعركة عسكريًا.
كما أن بعض الدوائر المؤثرة داخل معسكر بورتسودان، لا تزال تراهن على إمكانية تحسين الموقع التفاوضي عبر التطورات العسكرية.
ومع ذلك، فإن استمرار الحرب دون حسم، وتزايد الضغوط الإنسانية والاقتصادية والدبلوماسية، قد يدفع بعض مراكز القرار إلى إعادة النظر في جدوى استمرار الخيار العسكري وحده.
موقف قوات الدعم السريع
أما قوات الدعم السريع، فستنظر إلى الاجتماع باعتباره فرصة يمكن البناء عليها إذا كان من شأنه فتح الباب أمام عملية سياسية شاملة، لكنها في الوقت نفسه ستسعى إلى ضمان ألا تتحول العملية السياسية إلى أداة لإعادة ترتيب موازين القوى ضدها.
وبالتالي سيظل الطرفان ينظران إلى العملية السياسية من زاوية تأثيرها على توازنات الحرب أكثر من النظر إليها باعتبارها مشروعًا وطنيًا مستقلًا.
ما هي الخطوة التي يجب أن تلي هذا الاجتماع؟ إذا أراد المشاركون تحويل النجاح النسبي إلى مسار سياسي حقيقي، فإن الأولويات تتمثل في:
تشكيل اللجنة التحضيرية فورًا.
توسيع دائرة المشاورات لتشمل المقاطعين وأصحاب التحفظات.
ربط العملية السياسية مباشرة بوقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية وحماية المدنيين.
معالجة قضية مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية بصورة واضحة وعادلة تستند إلى مبادئ العدالة والمساءلة.
وضع خارطة طريق زمنية محددة للعملية السياسية.
بناء جبهة مدنية واسعة مناهضة للحرب وقادرة على التأثير على طرفي الصراع.
لم يكن اجتماع أديس أبابا نهاية الطريق، كما أنه لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي عابر. فقد نجح في جمع قوى سياسية ومدنية متنوعة حول حدٍّ أدنى من المبادئ المشتركة الداعية إلى وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية جديدة.
لكن التحفظات التي أبدتها الحركة الشعبية- التيار الثوري الديمقراطي وحركة تحرير السودان، كشفت عن أن الطريق لا يزال طويلًا، وأن التوافق المطلوب لإنقاذ السودان لم يكتمل بعد.
ومع ذلك، فإن هذه التحفظات لا تنسف مخرجات الاجتماع بقدر ما تضع أمامها اختبارًا حقيقيًا. فإذا تمكنت العملية السياسية من استيعاب هذه المخاوف ومعالجتها، فقد تتحول أديس أبابا إلى نقطة انطلاق نحو سلام مستدام. أما إذا جرى تجاهلها، فإن خطر إعادة إنتاج الانقسامات القديمة سيظل قائمًا.
كما أن من العوامل التي قد تعزز فرص نجاح ما بدأ في أديس أبابا، وجود شخصيات وطنية وسياسية ذات وزن وخبرة وتأثير في مختلف التيارات السودانية، مثل: الدكتور عبد الله حمدوك، والسيد مبارك الفاضل المهدي، والمهندس عمر الدقير، والأستاذ الواثق البرير، والأستاذ مبارك أردول، إلى جانب شخصيات وطنية أخرى تتمتع بحضور سياسي ومجتمعي معتبر. فمثل هذه القيادات، بالرغم من تباين مواقفها ورؤاها السياسية، تمتلك القدرة على المساهمة في تضييق شقة الخلافات، وبناء جسور الثقة بين الأطراف المختلفة، والدفع نحو صياغة أرضية وطنية مشتركة تتجاوز حالة الاستقطاب الحاد التي أضعفت القوى المدنية والسياسية خلال سنوات الحرب.
ويبقى الدرس الأهم؛ أن الحرب لم تعد تهدد طرفًا سياسيًا بعينه، بل تهدد وجود السودان نفسه. ولذلك فإن نجاح أية مبادرة لن يقاس بما تحققه من مكاسب لهذا الحزب أو ذاك، وإنما بقدرتها على وقف نزيف الدم وفتح الطريق أمام سلام عادل ومستدام يعيد للسودانيين حقهم في وطن آمن وموحد.




التعليقات (0)
جاري التحميل...