طاهر المعتصم

 القصة الشهيرة التي يعرفها كثيرون، تحكي أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل تلقّى، إبان الحرب العالمية الثانية، قرارًا من إحدى المحاكم البريطانية يقضي بنقل مطار حربي من موقعه، لما يسببه من أضرار تعيق سير العدالة وتؤثر على عمل المحكمة.

 ورغم انشغاله بإدارة الحرب، ما إن علم بالقرار والمهلة المحددة لتنفيذه حتى أمر بنقل المطار فورًا. وعندما حاول بعضهم إثناءه بحجة الظرف الاستثنائي، قال عبارته الشهيرة:

»أهون أن نخسر الحرب من أن يخسر القضاء البريطاني هيبته«.

 بلادنا تدخل عامها الرابع في أتون الحرب، بينما تتفاقم قضية المعتقلين والمخفيين قسرًا، والموجّهة إليهم ما يُعرف بتهم “التعاون”. بعضهم قضى نحبه، وآخرون ينتظرون مصيرًا مجهولًا.

 نداءات عديدة، وعرائض حملت توقيعات، ومخاطبات للأطراف المختلفة داخليًا وخارجيًا، كلها طالبت بإطلاق سراح المعتقلين والمخفيين قسرًا، لكن الاستجابة ـ للأسف ـ ما تزال بطيئة، رغم إشارات الصليب الأحمر وبعض التسريبات الصحفية التي تحدثت عن أن المعنيين فضّلوا إبقاء الملف بندًا على طاولة التفاوض.

 زميلنا معمر إبراهيم، وآخرون وردت أسماؤهم في بيان نقابة الصحفيين السودانيين، بعضهم معتقل في بورتسودان، وآخرون في السجن سيئ السمعة بمدينة نيالا. وقد تواترت الأنباء بأن الزميل معمر يعاني أوضاعًا صحية بالغة التعقيد.

 والمعلوم بالضرورة أن الصحافة ليست جريمة، وأن الصحفي تحميه القوانين الوطنية والمواثيق الدولية… إلا في السودان.

 أما تهم التعاون مع قوات الدعم السريع شبه العسكرية، فقد باتت تتوسع بصورة تثير القلق. فالأخبار تطالعنا يوميًا باتهام بائعة طعام أو بائعة شاي، أو كما حدث مع أحد قيادات الإدارة الأهلية في النيل الأبيض، وكيل الناظر مأمون هباني، الذي آثر البقاء وسط أهله عندما اجتاحت قوات الدعم السريع المنطقة، في وقت لم يجد فيه المواطنون من يحميهم.

 ظل الرجل يسعى لحل مشكلات الناس، قبل أن تعتقله قوات الدعم السريع نفسها وتطالب بفدية مالية لإطلاق سراحه. واضطر الأهالي إلى دفع الفدية، وبعد إطلاق سراحه توجّه مباشرة إلى القيادة العسكرية بمدينة كوستي، وأبلغها بما جرى معه، بل مُنح ـ بحسب رواية أسرته ـ خطابًا يفيد بأنه حضر وقدم إفادته، وأنه غير مطلوب في أي قضية.

 ليت مأمون استجاب لرجاءات أهله بمغادرة المنطقة، لكنه أصر على العودة، فاتحًا داره للمحتاج وعابر السبيل، كما كان يفعل آباؤه من قبله. وعندما اجتاح الدعم السريع المنطقة مرة أخرى، بما صاحب ذلك من انتهاكات وعمليات نهب، سُرقت سيارة أحد المغتربين، ففتح بلاغًا اتهم فيه الرجل بمعاونة الجناة. وفي ظل إجراءات التقاضي المعروفة، صدر بحقه حكم بالإعدام.

 وفي الوقت ذاته، تمر أمام نافذة سجنه قيادات منشقة وعائدة من قوات الدعم السريع إلى ما يُسمى “حضن الوطن”، رغم أن بعضهم كانت تلاحقه اتهامات جسيمة تتعلق بالانتهاكات. بل إن المتهم المعروف بـ«أبولو»، الذي ظهر في مقطع فيديو وهو يعترف بقتل أعداد كبيرة من المواطنين، وجد الترحيب من قائد حركة تحرير السودان مني أركو مناوي.

 آخر القول، إن العدل أساس الملك، وإن الظلم ظلمات. ضعوا قضية المعتقلين والمخفيين قسرًا في مقدمة الأولويات، وأعيدوا النظر في فوضى الاتهامات الجاهزة تحت لافتة “التعاون”، فالدول لا تُبنى بالانتقام، وإنما بالعدالة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...