د. إبراهيم البدوي
لقد كان الإمام الصادق المهدي -بحق- أبرز المفكرين الذين حاولوا التوفيق بين التراث الإسلامي والفكر الديمقراطي الحديث. وفي سياق مشروعه الموسوعي الموسوم "التأصيل التقدمي"، أفرد الإمام حيزًا كبيرًا لمفهوم العقد الاجتماعي، حيث طرح ما أسماه "العقد الاجتماعي الجديد" كأساسٍ لأيِّ نظام حكم عادل ومستدام، ومدخل لبناء دولة ديمقراطية عادلة تستند إلى قيم الإسلام، وفي نفس الوقت تحترم التعددية وحقوق الإنسان، لقفل الباب أمام الفكر "الإسلاموي" المستبد، أو العلماني المتطرف المنبت عن الواقع والموروث السوداني، اللذين -بالضرورة- يفضيان إلى الاستبداد والانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي.
أولاً، الرؤية الإسلامية لمفهوم العقد الاجتماعي:
في الفكر السياسي الإسلامي الكلاسيكي، العقد الاجتماعي يُفهم من خلال عدة مفاهيم أساسية:
• البيعة: هي بمثابة عقد رضائي بين الأمة والحاكم، يقوم على الطاعة مقابل الالتزام بتحقيق العدل وحماية الحقوق.
• الشورى: مبدأ المشاركة في اتّخاذ القرار، بما يضمن أن الحكم لا يكون استبداديًا.
• العدل والمصلحة العامة: الحاكم ملزم شرعًا بتحقيق العدالة ورعاية مصالح الأمة (المصالح المرسلة).
• الحقوق والواجبات: المواطنون يؤدون الزكاة والضرائب ويدافعون عن الدولة، بينما الدولة مسؤولة عن تأمين الأمن والعدالة والخدمات الأساسية.
إذًا، فإن العقد الاجتماعي في الرؤية الإسلامية، هو عقد تبادلي بين الحاكم والأمة، يقوم على الشرعية المستمدة من الرضا الشعبي ومن المبادئ الإلهية في آن واحد. أشار الإمام إلى أن هذه المبادئ قد كانت نبراسًا للحكم في صدر الإسلام: "قام حكم الإسلام -أول عهده- على الشورى والمشاركة التي جسَّدها قول أبي بكر الصديق، رضي الله عنه (وُلِّيت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني)، وعلى الحرية التي جسدها قول الإمام مالك لأبي جعفر المنصور الذي أراد أن يحمل الناس على الموطأ (لا تفعل يا أمير المؤمنين فقد سبق إلى الناس أقاويل وسمعوا أحاديث وأخذ كلُّ قوم بما سبق إليهم فدع الناس وما اختار كلُّ أهل بلد لأنفسهم)، وعلى العدالة الاجتماعية التي يجسدها قول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: (أنا ملك أم خليفة؟ فرد عليه سلمان الفارسي: إذا أنت صرفت درهمًا في غير وجهه فأنت ملك وإلا فأنت خليفة)".
ولكن، كما هو معلوم، سرعان ما ارتد الحكم الإسلامي إلى ملكيةٍ عضودٍ بعد عهد الخلافة الراشدة، فمنذ عهد معاوية بن أبي سفيان، صارت العصبية لا الشورى أساسًا للحكم، وصارت الرئاسة تعقد بناءً على التغلب والقوة لا العدالة والأهلية. لقد أوضح الإمام أنه بسبب تراكمات الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والجمود الفكري، صارت الأمة الإسلامية لقمة سائغة للاستعمار الأجنبي الذي أخضعها عسكريًا وفكريًا وحضاريًا. برأي الإمام فقد أدى هذا التحدي إلى استقطاب حادٍ في المجتمعات الإسلامية. فمعظم الحركات الإسلامية الداعية لمواجهة النفوذ الأجنبي والبعث الإسلامي الكامل والاهتداء بتعاليمه في كلِّ مناحي الحياة، بما فيها الحياة السياسية يرون "أن الإسلام دين ودولة ونظام اقتصادي وعلاقات دولية مستنبطة من مرحلة تاريخية معينة"، الأمر الذي وصفه الإمام بأنه "موقف يقود لتعليب المجتمع الإسلامي المعاصر في نمطٍ تاريخيٍ معين". بالمقابل، فقد اعتبر موقف "الأصولية العلمانية" المعارض للتيار الديني "الماضوي"، بأنه أيضًا يريد "تعليب المجتمع في نمطٍ وافدٍ معين".




التعليقات (0)
جاري التحميل...