د. إبراهيم البدوي
لقد كان الإمام الصادق المهدي بحق أبرز المفكرين الذين حاولوا التوفيق بين التراث الإسلامي والفكر الديمقراطي الحديث. وفي سياق مشروعه الموسوعي الموسوم "التأصيل التقدمي"، أفرد الإمام حيزًا كبيرًا لمفهوم العقد الاجتماعي، حيث طرح ما أسماه "العقد الاجتماعي الجديد"، كأساسٍ لأي نظام حكم عادل ومستدام ومدخل لبناء دولة ديمقراطية عادلة تستند إلى قيم الإسلام، وفي نفس الوقت تحترم التعددية وحقوق الإنسان، لقفل الباب أمام الفكر "الإسلاموي" المستبد أو العلماني المتطرف، المنبت عن الواقع والموروث السوداني، اللذين بالضرورة مفضيان إلى الاستبداد والانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي.
تأسيسًا على رؤيته النقدية هذه، يرى الإمام أن التحرر من النفوذ الأجنبي والبعث الكامل للإسلام يتطلب التخلص من حالة الاستقطاب الثنائي المدمر الذي أقعد بالأمة برفض كلٍّ من مشروعي "دعاة التعامل الانكفائي في الماضي" والتعامل "الاستلابي مع الوافد"، وأن تواجه حركة البعث الإسلامي "تحديات العصر في كلِّ المستويات، وأن تبين موقفًا إسلاميًا مقنعًا مضارعًا للفكر السياسي الحديث والمؤسسات السياسية الحديثة، وتحدد كيف يمكن أن يقام مجتمع إسلامي نصير للعلم والتكنولوجيا والعدالة والحرية والتسامح وحقوق الإنسان".
ثانياً، مرتكزات "التأصيل التقدمي" للإمام الصادق المهدي:
مستخدمًا آلياتٍ ومفاهيمَ متعددة بقصد الخروج من محدودية المنطق الصوري للاجتهاد، أنتج الإمام مشروعًا فكريًا مجدِّدًا، عبر كتب وأوراق ومحاضرات زادت عن مائة مساهمة في قضايا الفكر المعاصر كافة، مشددًا على أن "عافية حاضرنا ومستقبلنا رهين بتلك المراجعات التي تؤدي للصحوة الثقافية". في رحاب هذا البحر الزاخر من مشروع "التأصيل التقدمي"، سنركز في هذا المبحث على المسائل ذات العلاقة بموضوع العقد الاجتماعي في سياق المرجعيات التأسيسية الخمس التالية.
أولاً، لا نموذج مُلزِم للدولة في الإسلام: يرى الإمام أن الإسلام لا يفرض "شكل دولة" بعينه عبر العصور، بل يقدّم مبادئ سياسية عامة (الشورى، العدل، الوفاء بالعهد، الأمانة… إلخ)، ويمكن تبني النظم الدستورية الحديثة ما دامت تلتزم بهذه المبادئ وتكفل الحقوق.
ثانياً، المواطنة المتساوية ومرجعية الحقوق: يدعو إلى أن تكون المواطنة أساس الحقوق والحريات والواجبات بلا تمييز ديني أو عِرقي، مع نصٍّ صريح على الحقوق وفق المواثيق الدولية كجزءٍ مُكمِّل للدستور.
ثالثاً، الحريّة أصلٌ تأسيسي: يُقرِّر أن الحرية هي ما يثبت "خِيَريّة الإنسان"، ويفتح باب عطائه، وأن جذور حقوق الإنسان (الحرية، الكرامة، العدالة، المساواة، السلام)، منصوص عليها في الوحي، لكن التجربة التاريخية أعطت شرعيةً لحُكم المتغلِّب وأضعفت الحرية، ما يستلزم اجتهادًا تجديديًا يستأنف تلك الجذور.
رابعاً، الدولة المدنية (لا ثيوقراطية ولا عَلمانية دوغمائية): يصِف الإمام الدولة المنشودة بأنها "مدنية" تساوي بين المواطنين، لا تُنسب لدين، كي لا تصبح ثيوقراطية ولا تُنسب للعلمانية كفلسفة تُنكر الغيب؛ بل تُوصَف بصفات مقبولة للجميع كالعقلانية، والديمقراطية، والمساواة، مع مشروعية الدعوة لتطبيق الشريعة عبر اجتهاد جديد واحترام حقوق المواطنة والآلية الديمقراطية.
خامساً، الدين والدولة: ضبط العلاقة بالعقل الدستوري. ينبّه إلى خطورة الطرح المرتجل للعلاقة بين الدين والدولة قبل توافقٍ وطني، ويشدد على أن المساواة الدستورية وحرية المعتقد، هما صمَاما الأمان لعقدٍ اجتماعي جامع.
ثالثاً: "العقد الاجتماعي الجديد" من منظور التأصيل التقدمي:
في سياق مشروعه الفكري الإسلامي للتأصيل التقدمي وكمساهمة مرجعية على المستوى التأسيسي لمعالجة أزمة المشروع الوطني السوداني السودانية، دعا الإمام الصادق المهدي -مبكرًا- إلى "عقد اجتماعي جديد"، حيث أعطى هذا المفهوم بُعدًا معاصرًا، محاولًا صياغة عقد اجتماعي إسلامي – ديمقراطي، يتناسب مع قضايا السودان والعالم الإسلامي ويوفِّق بين الأصل الإسلامي والحداثة الدستورية، طارحًا مبادراتٍ لتعاهد وطني تؤسِّس للمواطنة والحقوق والحريات بلا تمييز أو إقصاء، مخاطبًا أهم القضايا الوطنية الكبرى في إطار هذا العقد الاجتماعي المنشود.




التعليقات (0)
جاري التحميل...