د. إبراهيم البدوي
لقد كان الإمام الصادق المهدي بحق أبرز المفكرين الذين حاولوا التوفيق بين التراث الإسلامي والفكر الديمقراطي الحديث. وفي سياق مشروعه الموسوعي الموسوم "التأصيل التقدمي"، أفرد الإمام حيزًا كبيرًا لمفهوم العقد الاجتماعي، حيث طرح ما أسماه "العقد الاجتماعي الجديد"، كأساسٍ لأي نظام حكم عادل ومستدام، ومدخل لبناء دولة ديمقراطية عادلة تستند إلى قيم الإسلام، وفي نفس الوقت تحترم التعددية وحقوق الإنسان، لقفل الباب أمام الفكر "الإسلاموي" المستبد، أو العلماني المتطرف، المنبت عن الواقع والموروث السوداني، اللذين –بالضرورة- يفضيان إلى الاستبداد والانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي.
أ) العقد الاجتماعي والديمقراطية:
يرى الإمام أن السيادة للأمة وليست للحاكم، وأن الشرعية السياسية تقوم على الاختيار الحر لا على "الحق الإلهي" أو الوراثة، حيث شبّه البيعة في الإسلام بمبدأ "العقد الاجتماعي" في الفلسفة الغربية، لكنها في الإسلام مقيدة بمبادئ الشريعة والعدل.
ب) العقد المتجدد: شدّد على أن العقد الاجتماعي ليس أبديًا، بل قابلًا للنقض والتجديد إذا أخلّ الحاكم بالعدل أو انتهك الحقوق. وهو بهذا المفهوم يقترب من فكرة جون لوك بأن الحاكم يفقد شرعيته إذا خان العقد.
ج) حقوق الإنسان في العقد الإسلامي: أكّد أن الإسلام يكفل الحقوق الأساسية: (الحياة، الحرية، الكرامة، المشاركة السياسية)، مشددًا على أن العقد الاجتماعي الإسلامي يضمن هذه الحقوق مقابل التزامات المواطنين تجاه الدولة كـ(الضرائب، الخدمة العامة، الولاء للوطن).
د) رفض الاستبداد ونقده: عارض بشدة فكرة "الحاكم المتغلب" التي شرّعها بعض الفقهاء التقليديين، واصفًا الاستبداد بأنه خيانة للعقد الإسلامي، لأن الإسلام لا يقر حكمًا بلا شورى أو بلا عدالة.
رابعاً، مقارنة موجزة مع رؤى ومدارس مخالِفة:
يقول المتنبي:
"ويذيمهم وبهم عرفنا فضله *** وبضدها تتبين الأشياء"
كلمة "يذيمهم" تعني "يعيبهم"، والشطر الثاني من البيت "بضدها تتبين الأشياء"، هو مثل عربي شهير يدل على أن الأمور والصفات تتضح وتظهر قيمتها عندما تُقرن بأضدادها، أي أن ظهور الخير في مواجهة الشر، والحُسن في مواجهة القبح، يزيد من وضوح كل صفة وفهمها بشكل أعمق.
وبرأيي، تتضح عظمة المشروع الفكري للإمام الصادق المهدي بصورة عامة، وخاصة في سياق القضايا التأسيسية الكبرى، مثل العقد الاجتماعي للأمة، تتضح عظمة مشروعه هذا عندما نقارنه بالمدارس والرؤى المخالفة. فمثلًا، حزب التحرير الإسلامي يُعرِّف البيعة باعتبارها "عقد المواطنة" مع الخليفة، وينتقد طرح الحريات والدولة المدنية بوصفه "تدليسًا". الإمام يرفض الثيوقراطية ويُصرّ على المواطنة والاقتراع والحقوق كأُسس العقد الاجتماعي للأمة. أيضًا، يرى بعض دعاة التيار السلفي أن "الدولة المدنية" تعبيرٌ غربيٌّ مضادٌّ لـ"الدولة الدينية". الإمام يعيد تعريفها سودانيًا: مدنية بحقوق متساوية ومرجعية قيمية إسلامية من دون كهنوت أو إقصاء.
إلا أن مقارنة مشروع "التأصيل التقدمي" بمشروع ونموذج "الدولة الإسلامية الحركية" للدكتور حسن الترابي -رحمه الله-، يظل الأكثر أهمية في السياق الوطني السوداني. فمشروع حسن الترابي كان يهدف إلى "أدلجة" الإسلام في صيغة "مشروعٍ حضاريٍ" -على حدِّ قوله-، يقوم على فرض الشريعة كمنظومة سلطوية شاملة، معتمدًا على "التغلب السلطوي" (القوة والانقلاب العسكري) لفرض المشروع الإسلامي. كما هو معلوم، فقد أفرز هذا الفكر المتسلط دولة مغلقة، ترى نفسها وصية على المجتمع، وتستمد شرعيتها من أيديولوجيا "الحركة الإسلاموية"، دون أدنى اعتبار لأهمية بناء عقد اجتماعي وطني جامع للحفاظ على الدولة القومية في مجتمع يتسم بانقسامٍ عموديٍّ بين مكونيه الشمالي والجنوبي، وبصورةٍ عامةٍ تنوعٍ هُوياتيٍ متعدد الأبعاد. لقد أدى هذا الفكر ودولته المتسلطة الفاسدة إلى تقسيم البلاد وتفاقم أزمة الحروب الأهلية وحتى بعد نجاح ثورة ديسمبر العظيمة، ظل تيارًا واسعًا من الحركة الإسلاموية سادرًا في "غيهم القديم" - لكن هذا لا يقدح في التقدير المستحق لتيار "المؤتمر الشعبي" الإسلامي والذي أجرى مراجعاتٍ عميقةٍ، بل قدم الشهداء قربانًا للثورة من أمثال الأستاذ الشهيد أحمد خير -عليهم الرحمة والرضوان-. أما تجار الدين وقادة الدجل والضلال، فهؤلاء لم يكتفوا بمحاولات "شيطنة" وإعاقة مشروع الثورة -فحسب-، بل أشعلوا هذه الفتنة الماحقة في الخامس عشر من إبريل 2023م لمحاولة إعادة إنتاج مشروعهم الكارثي.
أخيرًا، هناك مشروع "علمانية الدولة". طرح البروفيسور أحمد عبد الله النعيم، مفهوم "العلمانية الحقوقية" في كتابه الموسوم "الإسلام والدولة العلمانية"، حيث قطع بأن الخيار الواقعي هو "الدولة العلمانية الجيدة"، وليس "الدولة الإسلامية"، وأن حماية التدين وحقوق الإنسان تقتضي فصل الشريعة عن قانون الدولة. الإمام يوافق أستاذ النعيم في نتيجة الحقوق والمواطنة ويختلف في وصف الدولة؛ فهو يفضّل "مدنية لا ثيوقراطية ولا علمانية دوغمائية" مع اجتهادٍ يُزاوج بين الواجب والواقع. أيضًا، يرى البروفيسور وائل حلّاق في كتابه "الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الأخلاق في العصر الحديث"، بأن "الدولة الإسلامية" مستحيلة بمعايير الدولة الحديثة، وبأن نمذجة الشريعة ضمن جهاز دولة سيادي حديث تنقُض أخلاقيتها التاريخية. الإمام على خلافٍ منهجي: يقبل الدولة الدستورية الحديثة إطارًا إجرائيًا، ويجتهد لقيم الشريعة داخلها عبر عقدٍ مدني حقوقي لا ثيوقراطي.
خاتمة
يُقدِّم الإمام الصادق المهدي صيغة "مدنية- إسلامية" للعقد الاجتماعي: دولة مواطنة وحقوق ومواءمة دستورية لمبادئ الشورى والعدل والكرامة، مع رفض الثيوقراطية وتحفّظٍ على العلمانية الصلبة. هذه الصيغة أقرب لوسطٍ اجتهاديٍّ يجمع الخصوصية القيمية والحداثة الدستورية، ويمنح السودانيين إطارًا عمليًا لبناء سلامٍ ديمقراطيٍّ يستوعب التعدُّد ويؤسِّس لشرعيةٍ سياسيةٍ مستدامة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...