د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي 

في كلِّ مرة يقترب فيها السودانيون من مناقشة مستقبل الدولة، تعود الفيدرالية إلى الواجهة بوصفها الحل الأكثر تداولًا لإدارة التنوع العرقي والثقافي والجهوي الذي يميز السودان. لكن السؤال الذي غالبًا ما يتم تجاهله هو: هل تكفي الفيدرالية وحدها لإدارة هذا التنوُّع وصناعة وحدة وطنية مستقرة في بلد تتنازع مكوناته الولاءات القبلية والجهوية والثقافية؟

التجربة السودانية -خلال العقود الماضية- تشير إلى أنَّ الأزمة لم تكن فقط في شكل الحكم، بل في غياب "المركز الجامع" القادر على إدارة التنوُّع بطريقة تخلق شعورًا وطنيًا مشتركًا يتجاوز الانقسامات التقليدية. فالدساتير يمكن أن توزِّع السلطات، لكنَّها لا تستطيع -وحدها- أن تبني الثقة بين المكونات المختلفة، ولا أن تنتج وجدانًا وطنيًا موحَّدًا.

ومن هنا، تبرز أهمية العودة إلى واحدة من أكثر التجارب السودانية إثارة للاهتمام: تجربة الإمام محمد أحمد المهدي، ليس فقط باعتبارها ثورة سياسية ودينية، وإنما كأنموذج تاريخي مبكِّر لإدارة التنوع السوداني عبر "كاريزما مركزية"، استطاعت أن تجمع قبائل ومناطق ومجموعات متباينة تحت مشروع جامع.

لم يكن السودان في أواخر القرن التاسع عشر، أقل تعقيداً من سودان اليوم. فقد كانت القبائل متفرِّقة، والانقسامات الجهوية حاضرة، والطرق الصوفية تمثِّل مراكز ولاء مستقلة، ومع ذلك تمكَّن الإمام المهدي من خلق رابطة جديدة تجاوزت الانتماءات التقليدية، مستنداً إلى خطاب جامع وشخصية ذات تأثير استثنائي.

نجاح المهدي لم يكن قائمًا -فقط- على القوة العسكرية أو الحشد الديني، بل على قدرته في إدارة التنوّع داخل مجتمع شديد التشظي. فقد استطاع أن يحوِّل الاختلافات القبلية والجهوية إلى جزءٍ من مشروع أكبر، وأن ينتج "هُوية جامعة" جعلت السودانيين يشعرون أنّهم جزء من قضية مشتركة تتجاوز القبيلة والجهة والطائفة.

لقد صنع مركزًا معنويًا استطاع أن يحول التعدد إلى طاقة موحدة، وهو ما تفتقده الدولة السودانية الحديثة حتى اليوم. فالمعضلة السودانية ليست في وجود التنوع، وإنما في غياب الآلية القادرة على إدارة هذا التنوع داخل إطار وطني متماسك.

لكن تجربة المهدية، بالرغم من نجاحها في توحيد السودانيين، كشفت -أيضًا- عن نقطة ضعف جوهرية: اعتمادها الكبير على الكاريزما الفردية أكثر من اعتمادها على المؤسسات. فبعد غياب القائد المؤسس، ظهرت أزمة الاستدامة، وهو درس بالغ الأهمية بالنسبة لأيِّ مشروع معاصر لإدارة التنوع في السودان.

السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إنتاج المهدية كتجربة سياسية أو دينية، لكنه يحتاج إلى استلهام الفكرة الكامنة خلفها: وجود مركز وطني جامع قادر على إدارة التنوع وحماية التوازن بين الوحدة والتعدد. فالفيدرالية القائمة -فقط- على التقسيمات الجهوية أو العرقية، قد تتحوَّل إلى وسيلة لتعميق الانقسامات بدلًا من معالجتها.

الخطر الحقيقي لا يكمن في التنوع نفسه، وإنما في تحوّله إلى هُويات سياسية مغلقة متصارعة. فعندما يصبح الانتماء المحلي أقوى من الانتماء الوطني، تتحوّل الدولة إلى ساحة تنافس بين المكونات المختلفة، وتصبح الفيدرالية مدخلًا للتفكُّك لا للتعايش.

ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى مؤسسة وطنية ذات طابع رمزي وأخلاقي، تعمل كمرجعية لإدارة التنوع وحارس للتماسك الوطني بعيداً عن الصراع الحزبي اليومي... مؤسسة لا تنافس الحكومة التنفيذية، وإنما تمثل الضمير الجمعي للسودانيين، وتعزّز الحوار بين المكونات المختلفة، وتبني سردية وطنية مشتركة قائمة على المواطنة والعدالة.

الفكرة هنا ليست إنشاء جهاز بيروقراطي جديد، بل تأسيس "مركز معنوي" حديث يستلهم قدرة الإمام المهدي على جمع السودانيين، لكن ضمن إطار دستوري ومؤسسي معاصر يعترف بالتعدد ويحوِّله إلى عنصر قوة بدلًا من أن يكون مصدرًا للصراع.

لقد أثبتت التجربة السودانية، أنَّ إدارة التنوع لا تتحقق فقط عبر النصوص الدستورية أو توزيع الصلاحيات، وإنما عبر بناء شعور وطني مشترك يجعل الجميع يرون أنفسهم جزءاً من دولة واحدة. فالدول المتعددة لا تستقر بالقوانين وحدها، بل تحتاج -أيضًا- إلى رموز ومؤسسات قادرة على صناعة الانتماء العام.

وربما يكون أهم ما يمكن تعلُّمه من تجربة الإمام محمد أحمد المهدي، هو أنَّ وحدة السودان لا تُفرض بالقوة، وإنما تُبنى عبر مشروع جامع ينجح في إدارة التنوع بعدالة، ويجعل الاختلاف جزءاً من الهُوية الوطنية لا تهديدًا لها.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...