د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 

مدخل: رواية شائعة تحتاج إلى مراجعة

في كلِّ موسم حجٍّ تتجدد الأسئلة حول علاقة الدولة المهدية بالحج، وما شاع في الذاكرة السودانية من أن الإمام محمد أحمد المهدي منع الناس من أداء الفريضة أو دعا إلى استبدالها بالهجرة إلى أم درمان. وقد ترسخت هذه الرواية في كثير من الكتابات العامة، حتى بدت وكأنها حقيقة تاريخية محسومة، بالرغم من أن مراجعة الوثائق الأصلية للمهدية، تثير قدرًا كبيرًا من الشك حول دقتها وصيغتها المتداولة.

بين ركن الإسلام وترف المحاججة التاريخية

الحديث هنا لا يتعلق بمسألة فرعية، بل بأحد أركان الإسلام الكبرى، الأمر الذي يجعل التثبت من مصادره ونصوصه ضرورة علمية لا مجرد ترف تاريخي. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى منشورات الإمام المهدي وآثاره المكتوبة، بعيدًا عن الروايات المتأخرة التي صاغتها -أحيانًا- خصومات السياسة والحرب أكثر مما صاغتها الوثيقة الأصلية.

ماذا تقول وثائق المهدية؟

إن القول بأن قائدًا دينيًا أسقط فريضة الحج أو منع الناس منها ليس ادّعاءً عابرًا، بل قضية تمس أصلًا من أصول الدين، ولذلك فإن إثباتها يحتاج إلى نصوص صريحة وواضحة في منشورات الرجل وخطبه ورسائله، لا إلى روايات متأخرة أو استنتاجات سياسية.

عند مراجعة "الآثار الكاملة للإمام المهدي" التي جمعها وحققها المؤرخ السوداني محمد إبراهيم أبو سليم، لا يجد الباحث نصًا صريحًا يقرر إسقاط فريضة الحج أو الدعوة إلى استبدالها بشعيرة أخرى. كما أن مراجعة كتاب "العبادات" المنسوب للإمام المهدي لا يكشف عن خطاب جدلي تجاه الحج، ولا عن دعوة صريحة إلى منعه أو تعطيله.

دلالة الصمت في الوثائق

وهنا تبرز ملاحظة تستحق التأمل؛ فالصمت الوثائقي نفسه يحمل دلالة مهمة. إذ لو كانت قضية بهذه الضخامة جزءًا أصيلًا من دعوة المهدية، لكان من الطبيعي أن تظهر بوضوح في منشورات الإمام ورسائله التعبوية، خاصة مع كثافة ما وصلنا من وثائق تلك المرحلة وتفاصيلها الدقيقة في قضايا أقل شأنًا من قضية الحج.

السودان وطريق الحجيج الإفريقي

الثابت تاريخيًا أن السودان كان أحد المسالك المهمة لحجاج غرب إفريقيا في طريقهم إلى الحجاز، وأن اندلاع الثورة المهدية وما صاحبها من معارك ضد الحكومة التركية، أدى إلى اضطراب الأمن وتعطل الطرق وانتشار المخاوف من النهب وقطاع الطرق، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حركة الحجيج والتجار والمواصلات.

غوردون واستدعاء قضية الحج

وفي هذا السياق، تكتسب المراسلات المتبادلة بين محمد أحمد المهدي وتشارلز غوردون أهمية خاصة؛ إذ يشير غوردون في خطابه إلى أن من أهداف مهمته في السودان (فتح طريق الحج) وتأمين سبل السفر إلى مكة وزيارة قبر النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، متحدثًا عن آثار الحرب في (قطع الطريق) وتعطيل المواصلات. ويبدو واضحًا أن غوردون كان يثير هذه النقطة من باب استدرار عطف المهدي وإظهار أن استمرار الحرب يضر بالحجاج والمسلمين والمسافرين.

تجاوز المهدي هذه النقطة في رده على غوردون؟

لكن اللافت أن المهدي، في رده، لم يناقش أصل الحج ولم يعترض على مسألة زيارة قبر النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كما لم يرد أي نص ينكر الفريضة أو يرفضها من الناحية العقدية، وإنما تجاوز هذه النقطة تمامًا وركز على قضايا الحرب والصلح والسيادة وفتح الطرق والمواصلات وتبادل المندوبين. بل إن بعض عباراته تفيد القبول بإعادة انتظام الطرق والمواصلات إذا تحقق الاتفاق السياسي.

الحرب لا العقيدة

ومن هنا يبدو أن تعطّل الحج في تلك المرحلة كان مرتبطًا أساسًا بظروف الحرب وعدم الاستقرار، لا بقرار ديني صريح يمنع الناس من أداء الفريضة. فالدولة المهدية قامت في ظروف حصار وصراع مفتوح، وتبنت خطابًا تعبويًا يركز على (الهجرة) إلى المهدي والجهاد معه باعتبارهما (فرض الوقت والمرحلة)، كما خشيت من تسرُّب الأنصار أو اتصالهم بخصومها السياسيين والعسكريين، وهو ما يمكن أن يفسر التضييق العملي على حركة السفر دون أن يعني بالضرورة إسقاط الحج من الناحية الشرعية.

الحج إلى قبة المهدي، خلط في الذكرة التاريخية

أما الروايات التي تتحدث عن "الحج إلى قبة المهدي" بدلًا عن الكعبة، فإنها تواجه إشكالًا زمنيًا واضحًا؛ فالإمام المهدي توفي سنة 1885م، ولم تكن القبة موجودة أصلًا. أما الرمزية التي عُرفت بها القبة لاحقًا قد تشكلت بعد مماته ودفنه. وهو ما يرجح احتمال اختلاط مرحلتين مختلفتين في الذاكرة التاريخية: مرحلة "الهجرة إلى المهدي" في حياته، ومرحلة التقديس الرمزي لضريحه بعد وفاته.

أثر الخصومة السياسية في كتابة التاريخ

ولا يمكن هنا تجاهل أثر بعض الكتابات المتأخرة، خاصة لدى خصوم المهدية السياسيين والفكريين، في ترسيخ هذه الصورة. فالمؤرخ نعوم شقير -على الرغم من أهمية كتابه كمصدر تاريخي- كتب بعد سقوط الدولة المهدية وفي بيئة مرتبطة بالإدارة المصرية البريطانية، وهو ما جعل بعض الباحثين المعاصرين يدعون إلى قراءة رواياته بحذر ومقارنتها بالوثائق الأصلية لا الاكتفاء بها منفردة.

بين الوثيقة والرواية الشائعة

إن مراجعة وثائق المهدية ومنشورات الإمام المهدي لا تقود بسهولة إلى النتيجة القطعية التي استقرت في المخيلة العامة حول "منع الحج" أو "استبداله"، بقدر ما تكشف عن واقع تاريخي أكثر تعقيدًا تشكل في ظروف حرب وحصار وصراع سياسي وديني واسع. فالثابت في الوثائق هو تعظيم الهجرة والجهاد والدعوة إلى الالتفاف حول الدولة الناشئة، أما النص الصريح الذي يُسقط فريضة الحج أو يستبدلها بشعيرة أخرى فلا يظهر -فيما بين أيدينا من آثار منشورة- بالصورة التي ترددها الروايات الشائعة.

نحو إنصاف تاريخي

ولعل الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين تعذر ممارسة الشعائر بسبب الظروف السياسية والأمنية، وبين إنكار أصل الشعيرة أو إلغائها. كما يقتضي أيضًا إعادة قراءة تاريخ المهدية من داخل وثائقها الأصلية، لا من خلال الصورة التي رسمتها وحدها أدبيات الخصومة بعد سقوط الدولة. وفي موسم الحج، تبدو هذه المراجعة دعوة إلى أن يكون التاريخ مجالًا للفهم والتحقيق، لا مجرد تكرار للروايات التي استقرت بفعل التداول أكثر مما استقرت بقوة الدليل.

خلاصة: ما تكشفه مراسلات المهدي وغوردون (غياب الحجة التاريخية)

وخلاصة الأمر، أن ما استقر في الذاكرة العامة من أن الإمام محمد أحمد المهدي منع الحج أو أسقط فريضته، لا يجد -بحسب ما توفر من الوثائق الأصلية والمنشورات المعروفة- سندًا صريحًا وحاسمًا يثبت هذه الدعوى بالصورة المتداولة. فالثابت تاريخيًا أن سنوات المهدية كانت سنوات حرب واضطراب وانقطاع للطرق، وأن تعذر الحج آنذاك كان مرتبطًا في جانب كبير منه بالواقع الأمني والسياسي الذي عاشته البلاد، لا بإلغاء شعيرة الحج من الناحية العقدية أو الشرعية.

كما أن المراسلات بين المهدي وتشارلز غوردون، تكشف بوضوح أن قضية (فتح طريق الحج)، كانت مطروحة باعتبارها أثرًا من آثار الحرب وتعطل المواصلات، وأن غوردون استخدمها في خطابه لاستمالة المهدي وإظهار ما أصاب المسلمين والحجاج من ضرر بسبب استمرار القتال. ومع ذلك، فإن المهدي لم يرد على هذه النقطة بإنكار للحج أو اعتراض على زيارة الحرمين، بل تجاوزها إلى الحديث عن الحرب والصلح والطرق والمواصلات والسيادة السياسية.

ومن ثم، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين التضييق العملي الذي فرضته ظروف الحرب والدولة الناشئة، وبين الادّعاء بأن المهدي أنكر فريضة الحج أو استبدلها بشعيرة أخرى. فالأول تؤيده ظروف المرحلة ووثائقها، أما الثاني فلا يظهر له -فيما بين أيدينا- النص الصريح الذي تقوم به الحجة التاريخية الواضحة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...