طاهر المعتصم
في السياسة كما في الحروب، ليست كل الاجتماعات قادرة على صناعة السلام، لكن بعض اللقاءات تحمل في توقيتها ورسائلها ما يكفي لإيقاظ الأمل وسط الركام. وما يجري هذه الأيام بين نيروبي وفيينا وأديس أبابا، ربما لا يمثل اختراقًا نهائيًا في جدار الأزمة السودانية، لكنه بالتأكيد يعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الحرب لم يعد يهدد السلطة وحدها، بل يهدد وجود السودان نفسه.
لأكثر من ثلاث سنوات، ظل السودانيون يشاهدون بلادهم تتآكل جغرافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. مدن خرجت من الخدمة، ملايين النازحين، اقتصاد ينهار، وخطاب كراهية يتوسع بوتيرة مخيفة. وفي ظل هذا المشهد، لم يعد الحديث عن تقسيم السودان مجرد فزاعة سياسية أو خطاب تخويف، بل تحول إلى احتمال واقعي تغذيه الحرب والانقسامات والتدخلات الخارجية وضعف القوى المدنية.
لهذا تبدو أهمية الحراك السياسي الجاري الآن، ليس فقط في كونه محاولة لوقف الحرب، بل لأنه يعيد طرح سؤال الدولة السودانية نفسها: كيف يمكن الحفاظ على وطن يتشظى كل يوم؟
اللافت في اجتماعات نيروبي أنها تحاول ــ رغم التباينات الكبيرة ــ بناء مساحة مشتركة بين قوى مدنية وسياسية وحركات مسلحة حول حد أدنى من المبادئ، أهمها وقف الحرب، ورفض عودة الاستبداد، والبحث عن دولة تقوم على المواطنة بلا تمييز. وهي أهداف تبدو بديهية، لكنها في السودان تحولت إلى معركة طويلة ومعقدة.
وفي المقابل، فإن لقاءات فيينا ومحاولات تقريب وجهات النظر بين شخصيات وقوى سودانية مختلفة، تكشف أن المجتمع الدولي والإقليمي بات أكثر قناعة بأن الحسم العسكري مستحيل، وأن استمرار القتال سيقود حتمًا إلى مزيد من التفكك، وربما إلى خرائط جديدة في المنطقة بأسرها.
وفي السياق نفسه، فإن ما تسرّب عن محاولات لإنهاء الأزمة السودانية ــ الإماراتية يصب في اتجاه “زيرو مشاكل”.
لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب، أن أي فرصة حقيقية لمحاصرة مشروع التقسيم لن تنجح عبر البيانات وحدها، ولا عبر الفنادق الفخمة والمؤتمرات المغلقة، بل عبر قدرة السودانيين على إنتاج مشروع وطني جديد يتجاوز عقلية الغنائم والمحاصصات والانتقام السياسي.
لقد دفعت البلاد ثمنًا باهظًا لصراعات النخب، ولإدمان الإقصاء، ولتحويل الدولة إلى ساحة حرب دائمة بين العسكريين والمدنيين والحركات المسلحة. وما لم تتشكل إرادة وطنية تعترف بأخطاء الجميع، فإن الحرب قد تتوقف مؤقتًا، لكنها ستعود بأسماء وشعارات جديدة.
وربما للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، تبدو القوى المدنية أكثر إدراكًا أن معركتها لم تعد فقط ضد السلطة أو العسكر، بل ضد انهيار فكرة السودان نفسها.
فالدول لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا حين يفقد أهلها القدرة على الاتفاق حول معنى الوطن.




التعليقات (0)
جاري التحميل...