صوت الأمة: ناهد محمد

تتصاعد في السودان أسئلة قديمة بثوب جديد: هل لا تزال الضرائب والجبايات أداة لتمويل الدولة، أم تحوَّلت إلى عبء يهدد ما تبقى من اقتصاد منهك؟ ففي بلدٍ أنهكته الحرب وتوقفت فيه عجلة الإنتاج، لم تعد العلاقة بين الدولة ودافعي الضرائب قائمة على تبادل المنافع، حيث تشهد توترًا متصاعدًا يعكس فجوة متزايدة بين الإيرادات المفترضة والخدمات الغائبة.

وقد شكَّلت الضرائب في البلاد أحد أعمدة تمويل الدولة منذ الاستقلال عام 1956م، عبر منظومة تشمل ضرائب الدخل والجمارك وضرائب الشركات، غير أن هذا الإطار التقليدي بات اليوم موضع تساؤل، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية واشتداد الأزمة المعيشية، ما أفضى إلى تصاعد حالة الشدِّ والجذب بين الجهات المحصِّلة والمواطنين، في مشهد يعكس اختلالًا في توازن العلاقة المالية بين الطرفين.

وجاء إضراب أصحاب الباصات في معبر أرقين كإشارة واضحة على هذا الاحتقان، إذ تحوَّل إلى لحظة انفجار احتجاجي ضد زيادات ضريبية وصفت بالمجحفة، ما استدعى تدخلًا حكوميًا سريعًاً، تمثَّل في توجيه رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس، بعدم فرض أيِّ رسوم أو جبايات جديدة في المعابر، مع دعوة المواطنين إلى عدم دفع أي رسوم غير قانونية، في إقرار ضمني بعبء هذه الجبايات على المواطنين دون مردود يذكر على مستوى الدولة.

في الشارع، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا... فبينما يرى بعض المواطنين أن فرض الضرائب في ظل فقدانهم لمصادر دخلهم ونزوحهم القسري يمثل ظلمًا مضاعفًا، يعتبر آخرون أن الضرائب واجب وطني يجب أن يستند إلى إطار قانوني واضح عبر جهاز تشريعي فاعل، محذرين من أن غياب هذا الإطار يفتح الباب أمام قرارات تنفيذية قد تستغل لتحقيق مكاسب مالية دون رقابة أو مساءلة.

تفعيل المحاسبة

تتصاعد أصوات المواطنين الرافضة لزيادة الضرائب والجبايات، في ظل أوضاع اقتصادية قاسية تطال الجميع بلا استثناء. ويقول المواطن أحمد عابدين إن فرض ضرائب على مَنْ فقدوا ممتلكاتهم وتعرَّضوا للنهب والتشريد وفقدان مصادر رزقهم، يفتقر إلى العدالة.

ويرى أن الأولى بالدولة في هذه المرحلة أن تخفف الأعباء عن المتضررين، عبر تعليق الرسوم مؤقتًا إلى حين استقرار الأوضاع وعودة الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها.

فيما يتعبر آخرون أن الضرائب تمثل التزامًا وطنيًا مشروعًا، شريطة أن تصدر عبر جهاز تشريعي منتخب ويصادق عليها وفق الأطر القانونية، إلا أنهم يشيرون إلى أن غياب هذا الجهاز -حتى الآن- يثير تساؤلات حول شرعية القرارات المالية الحالية، ويرجّح أن تكون بعض الإجراءات مدفوعة بالحاجة إلى الإيرادات أكثر من استنادها إلى سند قانوني واضح.

وتتزايد الدعوات إلى تفعيل مبدأ المحاسبة، باعتباره أداة ضرورية لضبط الأداء المالي ومنع التجاوزات. ويؤكد أصحاب هذه الدعوات أن إخضاع الجهات التي تفرض الرسوم للمساءلة من شأنه أن يحدَّ من الممارسات الضارة، ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمد الناير، في حديثه لـ"صوت الأمة"، أن تنامي الجبايات يشكل عائقًا أمام التعافي الاقتصادي، ويؤثر سلبًا على جهود إعادة الإعمار وزيادة الصادرات. ويضيف أن انتشار الجبايات غير القانونية يعكس ضعف التنسيق بين مستويات الحكم المختلفة، ما يفاقم من تعقيد المشهد الاقتصادي ويحدّ من فرص النمو.

تفعيل المحاسبة وإصلاح النظام الإيرادي

دعا الخبير الاقتصادي محمد الناير إلى إنشاء جهاز إيرادي موحد يعمل على مستوى المركز والولايات والمحليات، يتولى عمليات التحصيل عبر نافذة واحدة، بما يتيح للقطاع الخاص التعامل مع جهة واحدة فقط بدلًا من تعدُّد المنافذ.

وأوضح أن هذا الأنموذج يضمن توزيع الإيرادات بين مستويات الحكم المختلفة بعدالة وشفافية، لافتًا إلى أن التطور التكنولوجي والتطبيقات المصرفية الإلكترونية يجعل تطبيقه أمرًا عمليًا في الوقت الراهن.

وأشار الناير إلى وجود لجنة حكومية تعمل على إزالة نقاط التحصيل والجبايات غير القانونية، غير أن أداءها لم يحقق النتائج المرجوة حتى الآن، في ظل الانتشار الواسع لتلك النقاط على الطرق القومية بين الولايات، الأمر الذي يتطلب قرارات أكثر حزمًا وفاعلية.

وأوضح أن حركة الصادرات السودانية تمر عبر عدة ولايات ومحليات قد تصل إلى خمس ولايات وما لا يقل عن عشر محليات، حيث تنتشر نقاط تحصيل متعددة بعضها قانوني والآخر مخالف للوائح، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل ويضعف تنافسية السلع السودانية في الأسواق العالمية. ودعا -في هذا السياق- إلى إزالة هذه النقاط من الطرق القومية، والاكتفاء بالتحصيل في موقع الإنتاج عند الشحن، مع ضرورة التحقُّق من مطابقة البضائع عند التفريغ.

كما شدَّد الناير على أهمية ترشيد الإنفاق الحكومي في ظلِّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب، محذِّرًا من الإفراط في الاستدانة من الجهاز المصرفي لما له من آثار تضخمية تنعكس على الأسعار وتؤدي إلى تراجع قيمة العملة الوطنية. ودعا إلى التوسُّع الأفقي في الإيرادات عبر توسيع المظلة الضريبية وضم المتهربين من السداد، باعتبار ذلك أساسًا لتحقيق العدالة المالية دون المساس بمعيشة المواطنين.

دعم الإنتاج وتوازن الإنفاق

وفي سياق التحديات الاقتصادية الراهنة، تتَّجه الرؤى إلى ضرورة إعادة ترتيب الأولويات بما يضمن دعم الإنتاج واستقرار الاقتصاد، عبر سياسات مرنة تستجيب لتقلبات الداخل والخارج.

وفي ما يتعلق بدعم الإنتاج، يرى الخبير الاقتصادي محمد الناير، أن رفع كفاءة الإنتاج، وإزالة الجبايات غير القانونية، وزيادة الصادرات من شأنها تقليص العجز في الميزان الخارجي، مؤكدًا ضرورة تبني خطط اقتصادية مرنة تتكيف مع متغيرات الحرب داخليًا والتطورات الإقليمية والدولية.

وفي جانب الإنفاق، شدَّد الناير على أهمية تخصيص موارد كافية للقطاع العسكري لتمكين القوات المسلحة والأجهزة المساندة لها من بسط الأمن وتحقيق الاستقرار في مختلف أنحاء البلاد، في ظل الأوضاع الحالية التي تتطلب إنفاقًا دفاعيًا مدروسًا.

كما أشار إلى ضرورة زيادة الإنفاق على قطاعات التعليم والصحة، باعتبارها خدمات أساسية، خاصة في المناطق التي عاد إليها المواطنون مثل ولاية الخرطوم وغيرها، لافتًا إلى أن تحسين خدمات المياه والكهرباء والبنية التحتية، يمثِّل أولوية لا تقل أهمية عن أيِّ بند آخر في الموازنة.

وأوضح أن إدارة اقتصاد الحرب تختلف جذريًا عن إدارة الاقتصاد في الظروف الطبيعية، مبينًا أن السودان يواجه تحديات متزايدة نتيجة الحرب الداخلية، إلى جانب تداعيات الأزمات الإقليمية، بما في ذلك اضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط عالمياً، ما انعكس سلباً على الاقتصاد الوطني.

وختم بالتأكيد على ضرورة تبني خطة اقتصادية شاملة تقوم على إدارة الأزمة بمرونة، إلى حين استقرار الأوضاع وانتهاء التوترات في الإقليم، بما يسمح بإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استقرارًا.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...