ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 45.84%، مقارنة بـ43.62 %
كمال كرار: السودان يعاني من تراجع الإنتاج في القطاعات الحقيقية للاقتصاد بسبب الحرب
المهل : ارتفعت فاتورة الواردات، خصوصًا السلاح واحتياجات الحرب
محمد محمد عثمان: العجز ليس مجرد خلل مؤقت، بل نتيجة مباشرة لتوقف الإنتاج وتعطل طرق الإمداد
أكبر محرك لارتفاع معدل التضخم يتمثل في الجبايات والرسوم غير القانونية
تقرير: ناهد محمد
يواصل الاقتصاد السوداني، مواجهة ضغوط متزايدة في ظل استمرار الحرب وتداعياتها على النشاط الإنتاجي والتجاري، وسط تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. وفي وقت تتسع فيه الفجوة بين العرض والطلب، تسجل معدلات التضخم ارتفاعًا متواصلًا مدفوعة بعوامل داخلية وخارجية، تشمل تعطل الإنتاج، وتدهور سعر الصرف، واتساع الإنفاق المرتبط بالحرب، فضلًا عن الرسوم والجبايات التي يشكو منها المنتجون والتجار.
ووفقًا للتقرير الشهري الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء لشهر أبريل 2026م، ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 45.84 في المائة، مقارنة بـ43.62 في المائة خلال الفترة نفسها من العام السابق، في مؤشر يعكس استمرار الضغوط التي تواجه الاقتصاد السوداني بالرغم من التراجع النسبي الذي شهدته معدلات التضخم خلال الأشهر الماضية.
وسجل الرقم القياسي لأسعار السلع الاستهلاكية والخدمية 636423.53 نقطة في أبريل 2026م، مقابل 436396.53 نقطة في أبريل 2025م، بزيادة بلغت 200027 نقطة، ما يعكس ارتفاعًا سنويًا في المستوى العام للأسعار بنسبة 45.84 في المائة.
كمال كرار: مؤشر خطير لتدهور القوة الشرائية للعملة الوطنية، وارتفاع تكاليف المعيشة
اختلالات هيكلية
قال الخبير الاقتصادي كمال كرار، في حديثه لـ"صوت الأمة"، إن ارتفاع معدل التضخم إلى نحو 45.84 في المائة يعكس استمرار الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الوطن، إلى جانب تأثيرات الحرب والنزاعات المسلحة وتراجع النشاطيْن الإنتاجي والتجاري.
ووصف كرار المعدل بأنه مؤشر خطير على تدهور القوة الشرائية للعملة الوطنية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وحصر أسباب ارتفاع معدل التضخم في عدد من العوامل، على رأسها استمرار الحرب والنزاع المسلح، معتبرًا أنها من أهم المسببات للتضخم، إذ أدت إلى تدمير البنية التحتية الاقتصادية، وتعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي، وتوقف العديد من الأنشطة التجارية، الأمر الذي تسبب في نقص المعروض من السلع والخدمات مقابل استمرار الطلب عليها، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار.

وأشار كذلك إلى تدهور سعر صرف الجنيه السوداني والتراجع المستمر أمام العملات الأجنبية، نتيجة انخفاض الإيرادات من الصادرات، وتراجع الاستثمارات والتحويلات المالية، مما أدى إلى زيادة كُلفة الواردات، لا سيما السلع الأساسية والوقود والأدوية ومدخلات الإنتاج، وانعكس ذلك مباشرة على أسعار المستهلكين.
وأضاف أن من بين الأسباب أيضًا، التمويل بالعجز والتوسع في الكتلة النقدية، إذ لجأت سلطة بورتسودان، في ظل ضعف الإيرادات العامة، إلى تمويل عجز الموازنة عبر الاستدانة من البنك المركزي أو طباعة النقود، مما أدى إلى زيادة السيولة النقدية في الأسواق من دون زيادة مقابلة في الإنتاج، وهو ما يرفع المستوى العام للأسعار.
الأغذية والمشروبات تقود الارتفاعات
ووفقًا لبيان الجهاز المركزي للإحصاء، سجل الرقم القياسي لأسعار السلع الاستهلاكية والخدمية لمجموعة الأغذية والمشروبات 261943.52 نقطة في أبريل 2026م، مقارنة بـ169554.35 نقطة في أبريل 2025م، بارتفاع بلغ 92389.17 نقطة، وبمعدل تغيُّر سنوي (تضخم) قدره 54.49 في المائة. ويعني ذلك أن المستوى العام للأسعار لمجموعة الأغذية والمشروبات في أبريل 2026م ارتفع بنسبة 54.49 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما سجل الرقم القياسي لأسعار المستهلك في المناطق الحضرية 483909.41 نقطة في أبريل 2026م، مقارنة بـ323250.50 نقطة في أبريل 2025م، بزيادة بلغت 160658.9 نقطة، وبمعدل تغيُّر سنوي (تضخم) وصل إلى 49.70 في المائة، ما يعني أن المستوى العام للأسعار في المناطق الحضرية ارتفع بالنسبة نفسها مقارنة بنظيره في العام السابق.
في المقابل، سجل الرقم القياسي لأسعار المستهلك في المناطق الريفية 800011.82 نقطة في أبريل 2026م، مقارنة بـ557052.18 نقطة في أبريل 2025م، بارتفاع قدره 242959.64 نقطة، وبمعدل تغيُّر سنوي (تضخم) بلغ 43.62 في المائة، ما يشير إلى زيادة المستوى العام للأسعار في المناطق الريفية بالنسبة نفسها مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
تراجع الإنتاج
ويواصل الخبير الاقتصادي كمال كرار إفاداته بالإشارة إلى أن السودان يعاني من تراجع الإنتاج في القطاعات الحقيقية للاقتصاد بسبب الحرب، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف التمويل، وانقطاع سلاسل الإمداد، مما أدى إلى انخفاض حجم السلع المنتجة محليًا وزيادة الاعتماد على الواردات.
كما أدت الحرب إلى إغلاق طرق ومنافذ تجارية عديدة، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والتخزين، مما زاد من كُلفة وصول السلع إلى الأسواق المختلفة، وانعكس ذلك في ارتفاع الأسعار النهائية للمستهلك، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، وضعف الثقة في الاقتصاد الوطني، وتراجع الإيرادات الحكومية.
ويقول كرار إن وصول معدل التضخم في السودان إلى 45.84 في المائة، يعكس استمرار الأزمات الاقتصادية والنقدية والهيكلية التي تفاقمت بسبب الحرب وعدم الاستقرار. ويرى أن خفض هذا المعدل بصورة مستدامة يتطلب حزمة متكاملة من السياسات تشمل إنهاء الحرب، واستعادة الاستقرار السياسي والأمني، وضبط السياسات النقدية والمالية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.
ويحذر من أن التضخم سيظل أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد السوداني والتنمية، ما لم تتم معالجة هذه الأسباب الجذرية بصورة شاملة.
توقف الإنتاج
ويحصر المحلل الاقتصادي البروفيسور عبد العظيم المهل، أسباب ارتفاع معدل التضخم في السودان في الحرب المستعرة منذ 15 أبريل (نيسان) 2023م وحتى الآن، والتي أدت إلى توقف حركة الإنتاج والصادرات، وزيادة أعداد العاطلين عن العمل، فضلًا عن ارتفاع أعداد النازحين، الذين يقدر عددهم بنحو 10 ملايين نازح، واللاجئين الذين يقدر عددهم بنحو 3 ملايين لاجئ.
ويضيف أن من بين العوامل المؤثرة أيضًا، تحول جزء من تحويلات المغتربين إلى دول خارجية مثل مصر وإثيوبيا وتشاد وأوغندا، فيما أصبح جزء منها يُستهلك في دول الخليج بدلًا من تحويله إلى السودان، الأمر الذي أسهم في انخفاض قيمة الجنيه السوداني وارتفاع سعر الدولار بصورة كبيرة، ما انعكس على معدلات التضخم.
ويشير المهل إلى ارتفاع فاتورة الواردات، خصوصًا واردات السلاح واحتياجات الحرب، لافتًا إلى أن إغلاق مضيق هرمز فاقم الأزمة، نظرًا إلى تأثر شركاء السودان التجاريين في الخليج ومصر ودول الجوار بتداعياته.
كما أشار إلى حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني والنفسي، والتي أفضت إلى حالة من عدم اليقين (Uncertainty) والسيولة الاقتصادية، إلى جانب انخفاض قيمة العملة، والزيادات المتواصلة في سعر الدولار الجمركي، والارتفاعات الكبيرة وغير المبررة في الضرائب والرسوم والجمارك.
الرشاوى والفساد
وأضاف عبد العظيم المهل، في حديثه لـ"صوت الأمة"، أن أكبر محرك لارتفاع معدل التضخم يتمثل في الجبايات والرسوم غير القانونية، إلى جانب كثرة نقاط الارتكاز وما تفرضه من رسوم وجبايات ورشاوى، فضلًا عن انتشار الفساد بصورة واسعة في مختلف مناحي الحياة.
وأشار إلى أن هذه الممارسات تتم في ظل غياب تام للرقابة من جانب السلطات المركزية والولائية والمحلية. كما انتقد سلوك المستهلك، معتبرًا أن عدم تمسكه بحقوقه وعدم مقاطعته للتجار الذين يرفعون الأسعار يسهمان بصورة غير مباشرة في استمرار هذه الظواهر.

الحرب والهيكل الإنتاجي
من جانبه، اعتبر الباحث في الشؤون الأفريقية محمد محمد عثمان عمر، أن الحرب تمثل العامل المهيمن في الأزمة الاقتصادية الراهنة، بعدما تسببت في تدمير الهيكل الإنتاجي للبلاد.
وقال إن الحرب أدت إلى تدمير المصانع والمزارع وشل حركة سلاسل التوريد بين الولايات، كما تسببت في انهيار الإنتاج الزراعي والصناعي، لا سيما في قطاع المواد الغذائية. وأضاف أن نزوح ولجوء الملايين وفقدان الوظائف أوجد ضغوطًا كبيرة على الطلب، في مقابل انكماش حاد في المعروض من السلع والخدمات.
وأوضح، في إفادته للصحيفة، أنه بالرغم من بلوغ التضخم مستويات مرتفعة للغاية بين عامي 2021م و2024م، ثم تراجعه نسبيًا خلال الفترة اللاحقة، فإن الارتفاع المسجل في أبريل 2026م، يؤكد هشاشة أي تحسن اقتصادي في ظل استمرار الصراع. كما انعكس شحُّ السلع بصورة مباشرة على أسعار الغذاء والمشروبات، التي سجلت زيادة بلغت 54.49 في المائة، متجاوزة بذلك متوسط التضخم الكلي.

ويرى عثمان أن هذا العجز ليس مجرد خلل مؤقت، بل يمثل نتيجة مباشرة لتوقف الإنتاج وتعطل طرق الإمداد.
كما أشار إلى وجود سياسات نقدية ومالية غير محكمة، موضحًا أن اللجوء إلى طباعة النقود لتمويل عجز الموازنة (Monetization of Deficits)، يؤدي إلى زيادة المعروض النقدي في الأسواق، ويحفّز الطلب من دون غطاء إنتاجي، فيما يزيد عجز السلطات عن السيطرة على سوق الصرف الموازي من تعقيد المشهد الاقتصادي.
وقف الحرب
وأشار الباحث في الشؤون الإفريقية إلى أن الأزمة تفاقمت أيضًا بسبب الاضطرابات الأمنية في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وارتفاع تكاليف النقل الداخلي، فضلًا عن التأثيرات الخارجية المرتبطة بأسعار الطاقة العالمية.
ورسم محمد عثمان عددًا من السيناريوهات المحتملة لتعافي الاقتصاد السوداني، مؤكدًا أنه لا يمكن خفض التضخم بصورة مستدامة من دون وقف الحرب نهائيًا، وأن أي إصلاحات نقدية أو مالية في ظل استمرار الاقتتال ستظل محدودة الأثر.
وأضاف أن إحلال السلام يمثل المفتاح الأساسي لإعادة تشغيل المصانع، وفتح الطرق، وعودة النازحين إلى الإنتاج الزراعي، محذرًا من أن الضغوط التضخمية ستظل مرتفعة ما لم يتحقق الاستقرار.
ودعا إلى توحيد سعر الصرف بين السوقين الرسمي والموازي، وبناء احتياطيات من النقد الأجنبي عبر تنظيم صادرات الذهب، وعودة الإنتاج النفطي، وجذب الاستثمارات.
كما نادى باتباع سياسة نقدية صارمة من جانب بنك السودان للحد من طباعة النقود، إلى جانب إنعاش الإنتاج المحلي، ولا سيما في القطاع الزراعي، من خلال دعم المزارعين بالبذور والأسمدة والوقود في بيئة آمنة، وإعادة تأهيل المشروعات الزراعية الكبرى مثل مشروع الجزيرة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد بصورة تدريجية لبناء مناعة اقتصادية أكثر استدامة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...