طاهر المعتصم
كلُّ صباح يستيقظ السودانيون على سعر جديد للدولار، وكأن العملة الوطنية دخلت سباقًا مفتوحًا مع المجهول. بالأمس كان الدولار بثلاثة آلاف جنيه، ثم أربعة آلاف، واليوم تجاوز حاجز الأربعة آلاف ومائتي جنيه، بينما يقف الجنيه السوداني وحيدًا في مواجهة عاصفة لا ترحم، يدفع ثمنها المواطن في رغيفه ودوائه ومواصلاته وحياته اليومية.
الحرب بلا شك هي المتهم الأول. فلا اقتصاد يمكن أن يصمد بينما تتوقف المصانع، وتتعطل المزارع، وتنهار سلاسل الإمداد، وتخرج غالبية البنوك من شبكة المصارف الدولية. لكن تحميل الحرب وحدها كامل المسؤولية يصبح نوعًا من الهروب من مواجهة الحقائق المؤلمة.
الحقيقة أن الجنيه لا ينهار بسبب الرصاص فقط، بل بسبب غياب الرؤية الاقتصادية أيضًا. فمنذ اندلاع الحرب لم يسمع السودانيون عن خطة اقتصادية متكاملة لاستعادة الثقة في العملة الوطنية أو حماية ما تبقى من الاقتصاد. وكلُّ ما يحدث لا يتجاوز ردود فعل متفرقة، وقرارات جزئية لا تعالج أصل الداء.
كيف يستعيد الجنيه عافيته بينما أكثر من سبعين في المائة من تحويلات المغتربين خرجت من القنوات الرسمية؟ وكيف يستقر سعر الصرف بينما أصبحت السوق الموازية هي التي تحدد قيمة العملة؟ وكيف ننتظر تحسنًا حقيقيًا، فيما يهرب الذهب خارج القنوات الرسمية وتفقد الدولة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي؟
وزارة المالية مطالبة اليوم بأكثر من البيانات والتبريرات. المطلوب إدارة اقتصادية حقيقية، تضبط الإنفاق العام، وتعيد الثقة إلى الجهاز المصرفي، وتسترد موارد الذهب والصادرات، وتفتح الطريق أمام تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية.
لكن قبل ذلك كله، يبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن لعملة وطنية أن تتعافى في بلد ما زال يعيش عامه الرابع من الحرب؟
فالجنيه، في نهاية الأمر، ليس مجرد أوراق نقدية، إنه مرآة نظام يحكم الدولة. وعندما تتراجع قيمة العملة إلى هذا الحد، فإن الرسالة التي يقرأها المواطن كل يوم ليست اقتصادية فحسب، بل سياسية أيضًا.
إلى متى تظل الوزارة الموجودة مكتوفة اليدين ومهزوزة، والى متى يظل وزير المالية المحظور من الولايات المتحدة الأمريكية مرتديًا زي قوة شبه عسكرية، والجنيه يتهاوى والاقتصاد يصيب المواطن بالتدهور.




التعليقات (0)
جاري التحميل...