أضابير وهوامش

محمد الأمين عبد النبي

 

يمثّل السودان أنموذجًا فريدًا للثراء الإنساني والحضاري، حيث تلاحمت عبر تاريخه الطويل أطيافٌ من الثقافات واللّغات لتشكّل الشخصية السودانية بعمقها الاستراتيجي، غير أنَّ هذا التعدُّد الذي كان يُفترض أن يكون ركيزة للاستقرار، تحوَّل بفعل التوظيف السياسي الممنهج إلى ثغرة نفذت منها مشاريع التفتيت، مما أدى إلى تراجع الروابط الوطنية لصالح هُويات صغرى، مناطقية وقبلية، أضعفت النسيج الاجتماعي وقوّضت بناء مؤسسات مستقرة.

إنَّ التحدي الراهن لا يكمن في وجود التنوع بحدِّ ذاته، إنما في تعمُّد إعادة إنتاج الهُويات الجزئية كأدوات للصراع على السلطة والنفوذ، وقد تأصَّلت هذه المعضلة نتيجة عوامل بنيوية متراكمة، أبرزها المركزية القابضة التي غيَّبت العدالة التنموية وخلقت شعورًا عميقًا بالتهميش، مما دفع المجتمعات المحلية للبحث عن بدائل نفسية واجتماعية في الانتماءات الضيقة نتيجة غياب مشروع وطني جامع يستوعب الجميع، وهو ما عزَّزه خطابٌ سياسيٌّ تحريضيٌّ استثمر في الأزمات الاقتصادية والنزاعات المسلحة لتغذية الاستقطاب، مما أدى في نهاية المطاف إلى تراجع قيمة المواطنة وتوقف عجلة الإنتاج وزيادة معدلات الفقر.

ولمواجهة هذا التفكُّك، يجب تغيير النظرة الكلية إلى التنوُّع من كونه عبئاً يتطلب الاحتواء إلى مورد استراتيجي لبناء الدولة. فالعبور نحو المستقبل يتطلب تفعيل ثقافة التعايش القائمة على الاعتراف المتبادل والشراكة الوطنية لا مجرَّد القبول الشكلي للآخر. ولتحقيق ذلك، تبرز الحاجة الملحة لإعادة صياغة الركائز الأساسية للدولة، بدءًا من التعليم عبر مناهج تعكس الواقع السوداني وتؤصل للتاريخ المشترك، ووصولًا إلى تبني الحوار المجتمعي كأداة مركزية لترميم الثقة وتفكيك المظالم وبناء تفاهمات قائمة على العدالة. كما يبرز دور الإعلام المسؤول الذي يتبنى خطابًا يواجه التحريض ويُبرز عناصر القوة في التنوُّع، بالتوازي مع تحقيق العدالة التنموية كشرط مسبق لتعزيز الانتماء، فالدولة العادلة في توزيع الفرص والخدمات هي وحدها القادرة على كسب ولاء مواطنيها وحماية نسيجها من التمزّق.

إنَّ تمكين الشباب والنساء، باعتبارهم قوى حيوية عابرة للانقسامات التقليدية، يمثِّل استثمارًا حتميًا في استقرار السودان، حيث يرتبط مصير الدولة بقدرتها على تحويل طاقة التباين إلى قوة تكامل وطني، ونقل المجتمع من ساحة للتنافس الإقصائي إلى فضاء للتعاون البنّاء.

إذًا، حماية السودان من مخاطر التفكُّك تقتضي إعلاء الهُوية الجامعة كمظلة آمنة تستوعب الجميع، وتؤسِّس لنهضة شاملة قوامها السلام المستدام والمصير المشترك، بعيداً عن كلِّ مشروع يسعى لتفتيت الروابط الاجتماعية أو إضعاف كيان الدولة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...