محمد الأمين عبد النبي

 

لا يمكن التعامل مع القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026م، الخاص بتقليص خدمات آلاف الموظفين والعمال وإنهائها، باعتباره إجراءً عاديًا أو خطوةً في مسار إصلاح الخدمة المدنية. فمضمون القرار يكشف عن اتِّجاه مقصود نحو تقليص العاملين في الحكومة، عبر لجنة مُنحت صلاحيات للحصر والتقييم، ووضع تصورات الخفض، ورفع توصيات التنفيذ. إنَّ السياق الإنساني المعقَّد الذي يمرُّ به السودان حاليًا يحوِّل هذا القرار من إعادة هيكلة إلى منعطف خطير يهدد الاستقرار الاجتماعي والمؤسسي؛ لا سيما وأنَّه يصدر في ظلِّ حرب وانقسام، وغياب كامل للمؤسسات الديمقراطية والرقابة الشعبية، مما يجعل أيَّ حديث عن الإصلاح أقرب إلى إعادة إنتاج سياسات الصالح العام والتمكين.

ويأتي هذا القرار في توقيت كارثي؛ إذ ترزح البلاد تحت وطأة حرب مدمِّرة أكلت الأخضر واليابس، وأدت إلى انهيار الخدمات الأساسية، وتشريد الملايين، وتوقف المرتبات أو عدم انتظامها، مع تراجع مستمر في القوة الشرائية جراء التضخم والانهيار المتواصل للعملة. وفي ظلِّ هذه الأوضاع الإنسانية بالغة القسوة، تمثل أي توجهات تستهدف تقليص العاملين تهديدًا مباشرًا للاستقرار المعيشي لعشرات الآلاف من الأسر التي تعاني أصلًا النزوح واللجوء، والحرمان من الحقوق المالية. وبدلًا من أن تدعم سلطة الأمر الواقع صمود الموظف، اختارت المسار الأنكأ بتحميله تبعات الانهيار الاقتصادي. إنَّ دفع عشرات الآلاف إلى رصيف البطالة القسرية خطوة نحو توسيع دائرة الفقر وتقديم الموظف ككبش فداء لفشل لم يكن سببًا فيه.

ويتجسّد في هذا التوجه عوار صارخ، يتجاوز الضمانات القانونية وحقوق التقاضي؛ فالاعتماد على لجان انتقائية يحوِّل شعار الإصلاح إلى مقصلة للتشريد. أما إغراءات التعويض المالي، فليست سوى حلول قاصرة ومسكنات مؤقتة لا تسمن ولا تغني من جوع، وتتلاشى قيمتها سريعاً أمام وحش التضخم وضعف الأجور. إنَّ الوظيفة العامة هي صمام الأمان الاجتماعي والأسري، واختزال الكوادر البشرية في أرقام يمثل تمزيقًا للعقد الاجتماعي والتزامات الدولة الأخلاقية.

وتُثير الصلاحيات الممنوحة للجنة الحصر والتقييم، مخاوف مشروعة من عودة التمكين والتشريد؛ فقد دفعت الدولة السودانية سابقًا ثمنًا باهظًا لسياسات الفصل للصالح العام التي حطّمت الخدمة المدنية، وأفرغتها من مهنيتها وكفاءاتها لصالح الولاء السياسي. وفي ظلِّ غياب المؤسسات الشرعية اليوم، يخشى السودانيون أن يُستغل غطاء الترشيق الإداري لتدمير ما تبقى من ولاء مؤسسي، مخلّفًا حالة من الإحباط العام؛ وهي أجواء كفيلة بقتل الإنتاجية، وإعدام الإبداع، وتشييد فراغ مهول داخل هيكل الدولة.

إنَّ أزمة الخدمة المدنية لم تكن يومًا أزمة فائض عددي، ولكنَّها أزمة إدارة وتسييس. ولتحقيق إصلاح مؤسسي يرتكز على مشروع وطني، يجب الاعتماد على ركائز أساسية: أولاها الكفاءة وتكافؤ الفرص بالاعتماد الصارم على المؤهلات، واقتلاع جذور المحسوبية التي أثقلت الجهاز الإداري بغير المنتجين. وثانيتها تفعيل الأجهزة الرقابية لقياس الأداء والأثر الفعلي. وتتمثّل الركيزة الثالثة في أجور عادلة تؤمن للموظف العيش الكريم الذي يحفظ كرامته الإنسانية. وتكتمل هذه الركائز بالبدائل المؤسسية الشفافة؛ إذ يكون العلاج عبر إعادة الهيكلة، وتفكيك التمكين، والتدريب والتأهيل، وابتكار آليات للتقاعد الاختياري المبني على حزم اجتماعية وتعويضات مجزية، بالتزامن مع الصرف الفوري للمستحقات والمتأخرات المحتجزة.

إنَّ الإصلاح المؤسسي غاية وطنية، تُدرك بثورة إدارية شاملة تُعالج البيئة وتُقوّم المنهج، لا بسياسات عشوائية تعصف بالاستقرار الاجتماعي؛ لذا فإنّ التراجع عن هذا "القرار الخطيئة" ضرورة سياسية وأخلاقية لحماية مستقبل الدولة ومؤسساتها. فالأمان الوظيفي هو حجر الزاوية في بناء السلم المجتمعي، والمساس به يجعلنا كمن يهدّ أساس البيت ليرمم سقفه.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...