د. عثمان البشرى المهدي
النظام الصحي في السودان.. ذو خلفية مؤسسية راسخة، تقف على أرضية صلبة، وتستند على أسس علمية، وذات مصداقية في منطقة الشرق الأوسط، استناداً إلى البداية العلمية المبنية على الحوجة الإنسانية والمناطقية، وعلى طبيعة انتشار وتواجد الأمراض الوبائية والمستوطنة، منذ نشأة النظام الصحي الحديث في السودان.
هيكلة القطاع كانت تقوم على المستشفيات المرجعية الكبرى (مستشفى الخرطوم، أم درمان، بحري) والمستشفيات الإقليمية على رأس الهرم الصحي، تليها المراكز الصحية المختلفة، والتي تقدم خدماتها في مستويات أدنى من المستشفيات في الأحياء المختلفة، وتقابلها في الجانب الآخر الشفخانات ونقاط الغيار المختلفة. كان هذا النظام قادراً على تقديم الخدمات لكل مواطني السودان بكلفة قليلة لا تُذكر، بل كان النظام جاذباً للمرضى من خارج السودان لتلقي العلاج والرعاية داخل السودان، بل كان أنموذجاً يُحتذى به في عدد من دول الجوار، وخصوصاً في شرق وغرب القارة الأفريقية.
التطور في الاقتصاد العالمي، واتجاهه نحو السوق الحر، أوجد مكاناً للاستثمار في القطاع الصحي، ولكن على أسس لا تجعل ذلك الاستثمار غولاً على القطاع الصحي العام، وتجعل المنافسة بينهما ذات جدوى ونفع للمرضى، عبر تلقي أفضل الخدمات.
ما يؤسف له، أنه خلال ثلاثينية الإنقاذ شهد القطاع الصحي العام تدهوراً غير مسبوق تمثل في:
إلغاء المستشفيات المرجعية، بفرية توفير الخدمات الصحية في الأطراف، حيث أُنشئت مستشفيات عبارة عن لافتات تفتقد لأدنى مستويات الجودة الصحية.
رفع شعار توطين العلاج بالداخل، الأمر الذي جلب مفسدة أكثر من منفعة عامة.
كل تلك العوامل دفعت المواطن للجوء إلى التداوي والعلاج بالمستشفيات الخاصة، والتي تُكلف المواطن رهقاً بفواتيرها المليونية، ومن المؤسف أنه حتى من لقي نحبه لا يتم الإفراج عن جثمانه إلا بعد سداد تكلفة العلاج والإقامة بالمستشفى الخاص.
ومما يُعجب له، وفي ظاهرة أقرب إلى (حاميها حراميها)، استوزرت الإنقاذ وجعلت أحد أكبر المستثمرين في المجال الصحي وزيراً للصحة، في واحدة من أكبر فضائح تداخل الاختصاصات وتضارب المصالح.
جاءت الحرب بلعناتها المختلفة لتزيد الطين بلة، حيث شهد القطاع الصحي عدة أزمات إنسانية، وانهياراً شبه تام لكل المرافق الصحية التي أصبحت خارج الخدمة، إضافة إلى انتشار الأوبئة وتعذر تقديم المعالجات اللازمة، واستهداف الكوادر الصحية المختلفة، متناسين أن متلازمة الصحة والتنمية من أهم ركائز التنمية المستدامة.
لذا فإن الأمر يتطلب مجهوداً وإرادة قوية لاستعادة دور القطاع الصحي، خصوصاً العام، من حيث تطويره وجعله مواكباً للتحديثات الطبية، وتأهيل الكوادر المختلفة على نحو يستوعب ما جدّ على المجال.
إلغاء ظاهرة تضارب المصالح بين العام والخاص، كذلك استعادة دور المستشفيات المرجعية المختلفة في العاصمة والأقاليم، والتي تشكل حجر الزاوية في القطاع الصحي العام.
يتبع ذلك إنشاء شراكات ذكية مع عدد من المؤسسات التي تهتم بالرعاية المجتمعية، كشركات الاتصالات وقطاع النفط، والتي تدعم القطاع الصحي العام.
وقبل كل ذلك، استعادة ثقة المواطن، والتي اهتزت كثيراً في القطاع الصحي العام.
فالوطن يحتاج إلى كثير من الخطط وكثير من العمل حتى يعود وطناً للنجوم.




التعليقات (0)
جاري التحميل...