تعليم وتزكية
الزبير محمد علي
إنَّ محاسبة النفس ومراجعتها باستمرار وإصلاحها، مقدمة للفلاح في الدنيا والنجاةِ في الآخرة؛ لأن المحاسبةَ هي الجدارُ الواقي للمؤمن يحميه من الغفلة والتفريط، ويدفعُه للتأهلِ لليومِ الذي أمرَنا اللهُ تعالى باتقائِه: "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" (البقرة:٢٨١).
ولذلك لا بد أن نزن أعمالنا باستمرار قبل حلول ذلك اليوم العظيم؛ اليوم الذي لا بيعٌ فيه ولا خلال، ومقداره خمسون ألف سنة، وينشغل فيه كل أحد مِنَا بنفسه حتى يفر المرء مِنْ أخيه وأمه وأبيه.
إن غياب محاسبة النفس هو الذي يجعلُ الإنسانَ يتجرأ على المعاصي والظلم؛ ولو علِم الظالمُ والقاتلُ والسارقُ والزاني، ومُدمِنُ الخمر، والراشي والمُرتشِي، وآكِلُ أموالِ الناسِ بالباطل، والعاقُ لوالِديه، وقاطعُ الرَّحمِ، والمُفرِّطُ في صلاته؛ لو علِموا حقيقةَ العرضِ على الله لَمَا فعلوا ما فعلوا، ولرجعوا سريعًا إليه من هَول يوم العرض الأكبر "يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ" (الحاقة: ١٨).
ولكي نراجع أنفسنا ونصلح أعمالنا لنتأهل لذلك اليوم كما قال الإمام المهدي مُناجياً ربه "يا ملك يا رحيم يا غفار تَولَ صلاحنا وتربيتنا للتأهل للقائك الذي تقصُر عن عظمته الأفكار"، فهناك سبع نقاط مهمة يجب الوقوف عندها:
أولًا: المحاسبة اليومية
بأن نتصفح في ليلتنا ما صدر من أفعال نهارنا، فإن كان محمودًا أمضيناه وأتبعناه بمثله، وإن كان مذمومًا استدركنا وانتهينا عن مثله في المستقبل.
ثانيًا: معرفةُ اللهِ تعالى وتعظيمُه
مَنْ عَرَف الله حق قدره وعظَّمه حق تعظيمه تزين له بالأعمال الصالحة.
ثالثًا: معرفة حقيقة الدنيا
مَنْ عَرَف حقيقة الدنيا، وأنها دار ابتلاء وممر وليست دار مقر أصلح عمله وتأهل للقاء خالقه.
رابعًا: مجاهدة هوى النفس
فهي مفتاح النجاة. إن مجاهدة الهوى تقيم العبد في مقام عظيم "فأمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِه ونَهَى النَفْسَ عن الهَوَى فِإنَّ الجَنَّة هِيَ المَأوَى" (النازعات: ٤٠-٤١).
خامسًا: معرفة كيد الشيطان
فهو يريد إخراج الناس عن الصراط المستقيم بالنزاع، والفحشاء، والظلم، وأكل أموال الناس بالباطل؛ فبمعرفة كيده نقطع مداخله.
سادسًا: التوبة النصوح
فمن تاب شملته دعوة حملة العرش بالمغفرة والوقاية من عذاب الجحيم ودخول الجنة "ربَنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ" (غافر: 7).
سابعًا: تذكر العاقبة والمصير
فمَنْ تذكر عاقبته خيرًا أو شرًا، اجتهد في الأعمال الصالحة وتأهل للعرض الأكبر.
إنَّ ثمرة محاسبة النفس في الدنيا هي النجاةُ والأمانُ في ذلك اليوم العصيب. ومن أعظم الأمان فيه أن نكون مِنْ الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهم السبعة المذكورون في الحديث "الإمَامُ العَادِلُ، والشاب الطائع، وصاحب القلب المرتبط بالمساجد، والمتحابين في الله، والمتعفف مِنْ الزنا رغم المغريات، والمتصدق في السر، والذاكر الله تعالى بقلبٍ حاضر".
وهنالك أعمال أخرى تُدخل المؤمن في ظل الرحمن ذكرها العلماء ومنها: عون المجاهد، وإنظار المُعسِر بالدين أو العفو عنه، وتحسين الخلق، والتاجر الصدوق، وآخِذ حقه بالمعروف دون اعتداء، والذي يؤدي الحقوق دون مماطلة، والكافل لليتيم والأرملة.
وفي الختام نقول: لا حاجة لله تعالى بعذابنا إن نحن آمنا به، وقدرناه حق قدره، وشكرناه على نعمه الظاهرة والباطنة، وحاسبنا أنفسنا وأصلحنا أعمالَنا، قال تعالى: "مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا" (النساء:١٤٧).




التعليقات (0)
جاري التحميل...