محمد ممدوح شورة
في تقديري كلُّ حديث عن الشباب يصبح ناقصًا عندما يُختزل في صورة عاطفية أو في خطاب تعبوي سريع.
الشباب ليسوا كتلة واحدة، ولا مزاجًا سياسيًا موحَّدًا، ولا يمكن التعامل معهم باعتبارهم مجرَّد أداة للحشد أو الوقود المؤقت للمعارك السياسية والعسكرية.
فما جرى خلال السنوات الأخيرة، كشف عن أزمة أعمق من مجرَّد خلافات سياسية، أزمة تتعلَّق بعلاقة الجيل الجديد بعدة مفاهيم منها مفهوم الدولة، والمؤسسات، بل والعمل العام نفسه.
أحد أكبر الإشكالات التي واجهت الشباب كانت –دائمًا- علاقتهم بالأحزاب السياسية. ليس بسبب النفور الفطري من السياسة -كما يُقال أحيانًا-، وإنما بسبب حملات الاستهداف الممنهج والتشويه المقصود، مما أحاط بالأحزاب بعضًا من الغموض وجعل صورتها مهزوزة ومغبِّشة.
كثير من الشباب يعرفون الأحزاب من خلال: الخصومات، والانقسامات، والصراع على المواقع، بينما يظل التعريف الأساسي للحزب غائبًا عن الوعي العام.
الحزب السياسي -في معناه الطبيعي- مؤسسة تُنظِّم الأفكار والمصالح والرؤى داخل مشروع يسعى للتأثير على الدولة وإدارة الشأن العام عبر الوسائل السياسية والسلمية. هذه الوظيفة تراجعت صورتها لدى قطاعات واسعة من الشباب، لأنَّ التجربة الحزبية في كثير من الأحيان عجزت عن تقديم نفسها كمساحة للفعل الحقيقي، أو كمنصة قادرة على إنتاج أمل سياسي مقنع. بالضرورة بطبيعة الحالة السوداوية التي أصابت المناخ السياسي بفعل الحركة الإسلامية الإرهابية.
مع ذلك، تظل العلاقة بين الشباب والأحزاب علاقة ضرورة متبادلة، فالشباب يحتاجون إلى الأطر السياسية المنظَّمة حتى لا تتحوَّل طاقتهم إلى ردود فعل متفرِّقة، والأحزاب تحتاج إلى الشباب لأنّها تفقد قدرتها على الحياة كلما انعزلت داخل دوائرها القديمة ولغتها الجامدة. فأي حزب لا يستطيع مخاطبة الجيل الجديد محكوم عليه بالتحوُّل إلى أرشيف سياسي يعيش على تاريخه أكثر مما يعيش على حضوره.
المشكلة لم تكن يومًا في المبادئ الكبرى، فالحرية ليست أزمة، والسلام ليس أزمة، والديمقراطية ليست أزمة، والمدنية ليست أزمة... الأزمة الحقيقية كانت دائمًا في الخطاب الذي يحمل هذه المبادئ إلى الناس. فجزء كبير من الخطاب السياسي ظلَّ يتحرَّك بلغة مغلقة، بعيدة عن الأسئلة اليومية التي تشغل الشباب: التأهيل الأكاديمي، التدريب العملي، فرص العمل والترقّي، تكوين أسرة، الحياة الكريمة والمستقرة، والمشاركة السياسية الواسعة والمجتمعية والمشاركة في صنع واتخاذ القرار... والإحساس بجدوى المشاركة العامة.
الجيل الحالي لا يرفض السياسة لأنه غير مهتم بالشأن العام، لكنه يرفض اللغة التي تتحدَّث إليه من أعلى، والوعود التي لا تلامس الواقع، والصيغ التي تبدو كأنها معزولة عن الحياة الفعلية للناس... لهذا أصبحت الحاجة ملحّة إلى تطوير الخطاب السياسي دون المساس بجوهر المبادئ نفسها.
المطلوب هنا خطاب يربط الحرية بحياة الناس، والعدالة بفرصهم، والسلام باستقرارهم النفسي والاجتماعي، والديمقراطية بحقهم في التأثير الحقيقي.
كذلك، لم تعد السياسة تُمارس بالطريقة التقليدية وحدها... حيث أن الفضاء الرقمي غيَّر شكل المشاركة العامة بالكامل: النقاشات، الحملات، تكوين الرأي العام، صناعة التأثير، وحتى الحشد السياسي، أصبحت تتحرَّك بسرعة المنصات الرقمية أكثر مما تتحرَّك داخل القاعات المغلقة. لهذا تبدو رقمنة الأحزاب السياسية ضرورة مرتبطة بالبقاء لا بالحداثة الشكلية.
المقصود هنا ليس الاكتفاء بالصفحات على وسائل التواصل أو نشر البيانات بصورة إلكترونية فقط، وإنما الاعتراف بأن المشاركة السياسية نفسها تغيّرت.
فالشباب يريدون مساحة لإنتاج الأفكار، والمساهمة في النقاش، والمشاركة في صناعة القرار، لا الاكتفاء بدور المتلقي الذي يُطلب منه التصفيق عند الحاجة.
الأحزاب التي لا تستوعب التحول الرقمي ستفقد تدريجيًا قدرتها على فهم المجتمع، لأن جزءًا كبيراً من المجتمع انتقل فعلًا إلى المجال الرقمي بوصفه مساحة للنقاش والتأثير والتنظيم.
أما الحرب، فقد وضعت الشباب أمام أكثر الانقسامات قسوة وتعقيدًا. ظهر جيل كامل موزَّع بين مواقع متناقضة: شباب دخلوا الحرب، وشباب رفضوها، وشباب انشغلوا بالعمل الإنساني وغرف الطوارئ، وآخرون دفعتهم ظروف الحياة إلى خيارات لم يكونوا يتصورونها من قبل.
النظر إلى هذه الفئات -بعقلية الإدانة السريعة- ينتج فهماً سطحياً للكارثة. الشاب الذي دخل الحرب لم يدخل دائماً بسبب قناعة عقائدية صلبة.
هناك مَنْ تأثَّر بالخطاب العسكري وما يحمله من معاني القوة والانتماء والبطولة... هناك مَنْ وجد نفسه تحت ضغط الحاجة المادية وانهيار فرص الحياة الطبيعية... وهناك مَنْ تأثَّر بالانتهاكات العامة... وهناك من شعر أن الحرب –بالرغم من قسوتها- فتحت أمامه بابًا لم يفتح له في مجتمع أُغلقت فيه أبواب كثيرة.
هذا لا يصنع بطولة تلقائية، ولا يصنع خيانة تلقائية أيضًا. الحرب بيئة تعيد تشكيل الإنسان نفسيًا واجتماعيًا، وتدفع كثيرين إلى قرارات تُولد تحت الضغط، فمساحة الرفاه الفكري هنا معدومة.
وفي الجهة الأخرى، الشباب الذين رفضوا الحرب لا يمكن اختزالهم في صورة مثالية مبسّطة كذلك.
بينهم مَنْ اختار العمل السياسي، ومَنْ انخرط في العمل الإنساني، ومَنْ حاول حماية مجتمعه بقدر ما يستطيع، ومَنْ اكتفى بمحاولة النجاة الشخصية وسط الانهيار العام.
كلُّ هذه المسارات نتاج واقع واحد مأزوم، لا معسكرات أخلاقية منفصلة عن بعضها. ولهذا يصبح من الخطأ التعامل مع الشباب باعتبارهم ملفًا يمكن تفسيره بشعار واحد أو موقف واحد.
السؤال الحقيقي -اليوم- لا يتعلَّق فقط بما فعله الشباب خلال الحرب، وإنما بالسبب الذي أوصلهم أصلًا إلى هذه اللحظة. فالدول التي تترك فراغًا سياسيًا طويلًا، وتضعف مؤسساتها المدنية، وتفشل في بناء العدالة والفرص، تفتح الطريق بصورة تلقائية أمام الخطابات الحادة والعنيفة لتملأ المساحة الفارغة.
أيُّ حديث جاد عن المستقبل يحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين الشباب والسياسة على أسس أكثر صدقًا ووضوحًا. ليس عبر استهلاكهم في المعارك، ولا عبر مخاطبتهم كشريحة دعائية، وإنما عبر الاعتراف بأنهم أصحاب مصلحة مباشرة في شكل الدولة وطبيعة المجتمع ومسار الحياة العامة.
البلاد التي تفشل في كسب شبابها سياسيًا، تدفع ثمن ذلك كُلفة اجتماعية وأمنية لاحقًا... وهذا رأيي البسيط.




التعليقات (0)
جاري التحميل...