عامر علي الحاج

هذه العبارة التي أُثير حولها جدل واسع في فترة حكومة حمدوك لم تكن مسألة تقنية، بل كانت مدخلًا كاشفًا لأزمة أعمق في فهم المدنية في السودان. فبالنسبة لكثيرين، بدا من غير المتصور أن من يرتدي زيًا عسكريًا ويحمل سلاحًا ويمارس سلطة على حرية الآخرين، يمكن أن يكون جهازًا مدنيًا. ومع ذلك، ضاع النقاش الجوهري وسط معارك سياسية قصيرة النفس، وانتهت تلك المرحلة دون حسم حقيقي لطبيعة الشرطة.

من حيث الوظيفة، مدنية الشرطة تكاد تكون بديهية. الشرطة لا تتعامل -من حيث المبدأ- مع عدو، بل مع مواطن. وجودها اليومي في الأسواق والمساكن والمدارس والشوارع يقوم على التنظيم والحماية، لا على القتال. حتى صلاحيات استخدام السلاح الناري هي الأضيق، ومحصورة في حالات استثنائية، وأضيق منها صلاحيات التوقيف والاعتقال، وهي جميعًا خاضعة لرقابة قانونية وقضائية. بهذا المعنى، فإن مدنية الشرطة ليست شعارًا سياسيًا، بل منطقًا وظيفيًا.

لكن هذا المنطق تعرض لكسر عميق بعد حرب 15 أبريل 2023م.

لم تعد المسألة سؤالًا نظريًا عن مدنية الشرطة، بل سؤالًا واقعيًا عن ما الذي أصبحت عليه. فالمشاركة الواسعة للشرطة السودانية في الأعمال الحربية، عبر شرطة الاحتياطي المركزي، لم تكن استثناءً عابرًا فرضته الظروف، بل انخراطًا منظمًا في حرب داخل المدن، بمنطق القتال لا حفظ النظام.

وهنا تكمن الحجة الحاسمة:

الجهاز الذي يخوض حربًا، ويتعامل مع خصم عسكري، ويتشرب عقلية الانتصار والبقاء، لا يمكنه أن يعود بسهولة إلى موقع الوسيط المدني المحايد. التجربة الحربية تعيد تشكيل الوعي المهني، وتحوّل المواطن -ولو دون قصد- إلى مصدر شبهة محتمل. وهذه عقلية لا تصلح لإدارة شارع أو سوق أو حي سكني.

وكل ما يُقال عن الشرطة، ينطبق بذات القدر على جهاز الأمن والمخابرات.

ففي 2019م، أُعلن حل قواته القتالية تحت مسمى "هيئة العمليات"، باعتبار أن وجود قوة مسلحة داخل جهاز استخباري يتناقض مع أي تصور مدني للدولة. غير أن الحرب أعادت هذه القوة باسم "هيئة مكافحة الإرهاب"، ومعها توسعت مشاركة كوادر الجهاز في العمليات الحربية. وهنا لم نعد أمام انحراف مؤقت، بل أمام إعادة إنتاج صريحة للدور القتالي.

إذًا، المسألة لا تتعلق بتغيير أسماء، أو إصدار قرارات، أو تنظيم دورات تدريبية في حقوق الإنسان. المدنية ليست توصيفًا إداريًا، بل بنية ذهنية ومهنية.

الجهاز الذي بنى تماسكه الداخلي على رابطة السلاح، واكتسب شرعيته من الاصطفاف في حرب أهلية، لا يمكنه أن يعود ليخالط الناس كجهاز خدمة عامة محايد.

من هنا، يصبح السؤال الحقيقي:

هل يمكن إصلاح هذه الأجهزة لتعود مدنية؟ أم أن المطلوب –بشجاعة- هو الاعتراف بأن الحرب أحدثت قطيعة، وأن مدنية حقيقية لا تُستعاد إلا ببناء أجهزة جديدة، بعقيدة مختلفة، ومسافة واضحة بين السلاح والمجتمع؟

إلى أن يُحسم هذا السؤال، ستظل مدنية الشرطة في السودان وعدًا مؤجلًا، لا لأن الطريق إليها غامض، بل لأن الواقع نفسه يضع حدودها بوضوح.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...