محمد الأمين عبد النبي
مرّ النظام العالمي بمحطات مفصلية؛ فمن صراع القطبين إبان الحرب الباردة، إلى حقبة "القطب الأوحد" الأمريكي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. واليوم، تتبدل الموازين إثر الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي بلغت ذروتها في فبراير 2026م، مما دفع طهران لإغلاق مضيق هرمز، متسببة في أزمة اقتصادية عالمية حادة وارتفاع جنوني لأسعار النفط والسلع.
في ظل هذه الأزمات، برزت الصين كقطب مؤثّر بفضل قفزتها الاقتصادية، وتعاظم مبادرة "الحزام والطريق" وتكتل "البريكس"، وقوة علاقاتها مع روسيا. وقد تجسّدت هذه الأهمية في الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي للصين طالبًا ضغطها على إيران لتسليم مخزونها النووي، مما أسفر عن حلِّ مشكلات اقتصادية بين البلدين، وتلا ذلك زيارة للرئيس الروسي بكين، لترسيخ التحالف بين البلدين كقوة موازية للنفوذ الأمريكي.
توّجت التحركات الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وبدء المفاوضات. هذا المشهد يمثّل إعلانًا عن نهاية عصر القطب الأوحد وولادة نظام عالمي جديد تقوده ثلاثة أقطاب رئيسة هي: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، لتُعاد بذلك هيكلة السيطرة على العالم بشكل متعدد الأقطاب.
يضع هذا التحول، العالم العربي في قلب العاصفة كساحة مواجهة وتصفية حسابات تضررت منها دول الجوار والخليج، مما يحتم صياغة سياسات مرنة توازن العلاقات مع الأقطاب الثلاثة. وفي هذه المعادلة، يبرز السودان كساحة تجاذب استراتيجي بالغة الخطورة، حيث تتصارع القوى الكبرى على موقعه الجيوسياسي وثرواته كالذهب والموانئ، دون إرادة حقيقية لإنهاء حربه التي تحولت إلى جبهة استنزاف منسية.
يتجلى الصراع الدولي حول "قاعدة بورتسودان البحرية" التي تسعى روسيا لتثبيتها كبوابة لعمق إفريقيا، وتعتبرها الصين إحدى مداخل مبادرة الحزام والطريق، بينما تحاصرها أمريكا عبر دفع إثيوبيا نحو منفذ بحري على البحر الأحمر؛ هذا الصراع يهدد أمن المنطقة ويفتح سواحل السودان للتنظيمات الإرهابية. ويتعامل النظام الدولي الجديد مع الملف السوداني عبر الشركاء الإقليميين؛ ليحقق مكاسب الأقطاب بأقل كُلفة بشرية، متحللين من المسؤولية الأخلاقية تجاه الكارثة الإنسانية والمجاعة. وبهذا تحول السودان وموارده وجغرافيته إلى ورقة تفاوضية وضغط متبادل مرتهن بتوافقات الكبار.
أمام هذا الواقع، يقف السودان أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما الاستسلام لسيناريو التشظي، وإما استثمار التحول الدولي لانتزاع سيادته. إن إنهاء الحرب رهينٌ بالوعي بأن أقطاب العالم لن تمنح السودان سلامًا مجانيًا ما لم يفرض السودانيون أنفسهم كمعادلة صعبة لا يمكن تجاوزها.
وللانتقال من موقع "المفعول به" إلى دور "الفاعل"، يبرز التوافق على حكومة مدنية كطوق نجاة وحيد يجمع القوى المدنية على رؤية موحدة تعلي المصلحة العليا وتنهي اختراق السيادة، حينها يمكن للسودان استثمار موقعه على البحر الأحمر وعمقه الإفريقي لتبني دبلوماسية متوازنة، تفاوض الأقطاب بناءً على المصالح لا التبعية. إن قوة سودان المستقبل لا تكمن في الانحياز لمحور ضد آخر، بل في قدرة أبنائه على صياغة مشروع وطني جامع يخرس صوت البنادق، ويغلق منافذ التدخل الخارجي، ويعيد لبلاد النيلين دورها كركيزة أساسية للأمن القومي العربي والإفريقي.




التعليقات (0)
جاري التحميل...