حامد البشير إبراهيم
في السابع من يونيو 2026 دشنت السلطات التابعة لتحالف "تأسيس" في مدينة نيالا ومدن أخرى في الإقليم امتحانات الشهادة الثانوية السودانية لآلاف الطلاب والطالبات في المناطق الواقعة تحت سيطرتها والذين حرموا لثلاث سنوات من هذه الإمتحانات بسبب الحرب.
وهذه الخطوة-بلا شك- تُمثل تطوراً سياسياً وتاريخياً بالغ الأهمية يتجاوز أمر التعليم إلى أسئلة حول الدولة والشرعية والسيادة، بل ومستقبل الدولة السودانية ذاتها.
ولعل أكثر ما يثير الحزن في هذا المشهد أن كثيراً من السودانيين، ومن بينهم أعضاء "المبادرة الوطنية لضمان حق طلاب السودان في الجلوس لامتحان الشهادة السودانية"، كانوا قد ناشدوا الحكومة السودانية وحكومة تأسيس منذ اربعة أشهر أو تزيد للموافقة على ترتيبات استثنائية تسمح لجميع الطلاب (بغض النظر عن مناطقهم الجغرافية) بأداء الامتحانات في مواقعهم تحت إشراف وطني واممي بقيادة منظمة اليونسيف ضماناً لحماية ونزاهة العملية التعليمية. وفي بالنا أن يتم من خلال ذلك الحفاظ على وحدة الشهادة السودانية وما تعنيه ورمزية التعليم لوحدة الوجدان السودني وليكون ذلك عاصماً من الإنزلاق الوطني وشتات الرأي. وللأسف لم تجد تلك النداءات الاستجابة المطلوبة من الدولة.
والآن، وفي ظل واقع جديد فرضته الحرب ومن منطلق إنسانية الحقوق وإلزاميتها لا يمكن لأي شخص مسؤول أن يعارض حق مئات الآلاف من الطلاب في مواصلة تعليمهم أو الجلوس لامتحاناتهم. خاصة وهم ليسوا طرفاً في الحرب، ولا ينبغي أن يكون مستقبلهم رهينة للخلافات السياسية والعسكرية ولا يكون مستقبلهم ميدان حرب بين طرفين.
لقد دفعت أجيال كاملة ثمناً باهظاً لهذه الحرب، حيث ملايين الأطفال وجدوا أنفسهم خارج المدارس، وآلاف المؤسسات التعليمية تعرضت للتدمير أو الإغلاق، ومئات الآلاف من الطلاب فقدوا سنوات دراسية كاملة.
ومن هذا المنظور، فإن تمكين الطلاب من أداء الامتحانات يمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ.
لكن المعضلة تكمن في أن هذه الخطوة جاءت خارج إطار التوافق الوطني، وفي ظل انقسام سياسي وعسكري حاد وعميق.
إمتحان الشهادة السودانية ممارسة سياسية تماماً كصك االعملة الوطنية وطباعة الأوراق الثبوتية. لكن ما حدث اليوم بالامتحانات الموازية في وطن واحد يرسل رسالة سياسية تتجاوز قطاع التعليم وتشير صراحة إلي التقاسم الرأسي للسلطة في السودان فيما يختص بالوظائف الأساسية للدولة.
وبلا شك، فإن إستمرار الحرب يجعل حجم التصدع في مؤسسات الدولة السودانية أكثر وضوحاً وعمقاً وناقلاً الصراع من معركة الأرض والميدان إلى معركة المؤسسات.
فعندما طالبت منظمات المجتمع المدني والأكاديميون والمعلمون وأولياء الأمور من قبل أربعة أشهر بإيجاد آلية قومية شاملة لإمتحانات الشهادة السودانية وإنقاذ ٢٨٠ الف طالب لم يمتحنوا إمتحان الشهادة السودانية (لثلاثة سنوات) ، لم يكن الهدف تسجيل نقاط سياسية على أي طرف او لصالح طرف آخر. بل لقد كان الهدف حماية وحدة النظام التعليمي السوداني عبر إجراء الإمتحانات في كل الولايات المتأثرة بالحرب النشطة وكان ممكناً التوصل إلى ترتيبات استثنائية بإشراف وطني و إقليمي و أممي تسمح لجميع الطلاب بالجلوس للامتحانات في أماكن وجودهم وفي توقيت واحد. وكان لو تم ذلك سيبعث برسالة قوية بحيادية التعليم.
لكن ضيق الأفق السياسي والانشغال بحسابات الشرعية والسيطرة حال دون ذلك إلى أن "وقعت الفاس في الرأس".
والآن أنتجت الأزمة التعليمية واقعاً جديداً أكثر تعقيداً وأصبحنا أمام نظامين تعليميين؛ وما قد يترتب على ذلك مستقبلاً في مجالات التعليم والثقافة وما يعنيه من أنشاء للجدران العازلة أمام الأجيال.
وبالضرورة، لا ينبغي النظر إلى امتحانات نيالا باعتبارها انتصاراً لطرف أو هزيمة لطرف آخر. ففي جوهر الأمر هي تعبير عن مأساة وطنية تكون شهادة على فشل السودانيين في حماية حق أطفالهم في التعليم داخل إطار وطن موحد. ويظل الدرس الأهم هو أن وحدة السودان لن تُحسم في ساحات القتال بل في قدرة السودانيين على الحفاظ على المؤسسات الوطنية المشتركة التي تربط بينهم، وعلى رأسها التعليم.
فحين تنقسم المدارس والشهادات، يصبح الحديث عن انقسام الجغرافيا مجرد مسألة وقت وأنها أقرب من حبل الوريد.




التعليقات (0)
جاري التحميل...