عامر علي الحاج
مدخل
يبدو والي الخرطوم المكلّف أحمد عثمان حمزة من هواة الإثارة الإعلامية، سعيًا لاحتلال عناوين الأخبار أكثر من انشغاله بجوهر التكليف. يتجلّى ذلك في تصريحه الأخير عن وجود قطع أراضٍ بوسط الخرطوم «بلا ورثة»، مع تلميح ــ دون تصريح ــ يمهّد لمصادرتها بذريعة إعادة تخطيط قلب المدينة، ذلك القلب الذي نال النصيب الأكبر من الدمار خلال الحرب. ومن المفيد تذكير القارئ بأن حمزة جلس على كرسي الولاية لأول مرة عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم عاد إليه بعد استقالة الدكتور عبدالله حمدوك في يناير 2022، ولا يزال في موقعه حتى اليوم.
القصة
بحسب مصادر متعددة على صلة مباشرة بملف أراضي ولاية الخرطوم، فإن الأراضي التي أشار إليها الوالي تقع جميعها في قلب العاصمة، ضمن مربع يحدّه النيل الأزرق شمالًا، والنيل الأبيض غربًا، والسكة الحديد جنوبًا، وقيادة الجيش شرقًا. وتُرجّح هذه المصادر أن تكون ملكياتٍ لأفراد من جاليات أجنبية غادرت الخرطوم والسودان في أعقاب أربع محطات كبرى: استقلال السودان عام 1956، وقرارات تأميم المصارف والشركات ووسائل الإعلام والصناعات عام 1970 في عهد انقلاب مايو، وإعلان قوانين سبتمبر 1983، وأخيرًا انقلاب 30 يونيو 1989 وما تلاه من سنوات القمع المعروفة محليًا بسنوات «التأمين ثم التمكين».
وتزداد دهشة المراقب إذا وُضعت تصريحات الوالي في سياق أحوال الولاية بعد استعادة الجيش السيطرة عليها في عام 2024، وهي سيطرة شملت مقار الوزارات والمؤسسات خارج المنطقة المذكورة. فقد أعلنت لجنة إعادة إعمار الخرطوم صراحةً تأجيل كل خطط إعمار قلب المدينة إلى أجل غير مسمّى. وفي ظل تعقيدات أمنية واقتصادية خانقة، يصبح إعلان الوالي ــ منفردًا ــ خططًا لإعادة تخطيط قلب الخرطوم أمرًا يثير الريبة أكثر مما يبعث على الاطمئنان.
وتبلغ الإثارة ذروتها مع الأنباء المتواترة عن صراع محتدم حول الصلاحيات داخل مصلحة الأراضي، الجهة المفوّضة قانونًا بإجازة أي تصرّف في أراضي الولاية. ولا تزال الذاكرة القريبة تحتفظ بقصة عضوة المجلس السيادي وأمين أمانة حكومة الخرطوم مع مدير مكتب أراضي محلية الخرطوم، وهي الواقعة التي انتهت بإقالتهما. كما تحدّثت الأنباء عن صراع إداري داخل وزارة التخطيط العمراني بين المكلّفة بالوزارة وإدارة الأراضي، سبقته معلومات عن استخدام أجهزة أمنية وعسكرية في نزاعات بين مراكز قوى متعددة داخل الإدارة نفسها. وكل ذلك يزرع قلقًا مشروعًا في نفوس سكان الولاية عمومًا، وملاك الأراضي على وجه الخصوص.
خاتمة
إن تصريحات حمزة تنسجم مع إصراره المزمن على الحضور الإعلامي مقابل غياب ملموس عن معالجة تحديات منصبه الحسّاس. ويأتي هذا النهج في سياق فراغ الدولة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، لكنه ــ في ظل الحرب ــ يُعمّق الشكوك حول جدية سلطة الأمر الواقع في إعادة إعمار الخرطوم وتهيئة شروط عودة مواطنيها. وللحديث، ربما، بقية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...