طاهر المعتصم
من حقّ الدولة الليبية أن تتخذ ما تراه مناسبًا من إجراءات لحفظ أمنها وسيادتها وتنظيم الوجود الأجنبي على أراضيها، ومن حقها كذلك أن تقلق من تدفقات الهجرة غير النظامية وما تفرضه من أعباء أمنية واقتصادية واجتماعية. هذه حقائق لا يجادل فيها عاقل.
لكن من حقّ السودانيين أيضًا أن يجدوا دولة تسأل عنهم.
فالسوداني الذي وصل إلى ليبيا لم يذهب إليها سائحًا ولا باحثًا عن رفاهية مفقودة، وإنما هرب من حرب أكلت الأخضر واليابس، وشردت الملايين داخل السودان وخارجه، وأجبرت الأسر على حمل ما خف من المتاع والبحث عن أية بقعة آمنة تحفظ الحياة والكرامة.
خلال الأيام الماضية تصاعدت حملات التحريض ضد الأجانب في ليبيا، وارتفعت نبرة خطاب الكراهية بصورة مقلقة، وترافقت مع إجراءات أمنية مشددة ودعوات لإغلاق مقرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، الأمر الذي خلق حالة من الخوف وسط آلاف السودانيين المقيمين هناك، بمن فيهم صحفيون ونساء وأطفال لا يملكون سوى انتظار المجهول.
المؤسف أن الحكومة السودانية تبدو وكأن الأمر لا يعنيها.
لا نسمع عن وفود رسمية، ولا عن مبادرات دبلوماسية، ولا عن تحركات جادة لتخفيف معاناة المواطنين الذين دفعتهم الحرب إلى المنافي. وكأن السوداني يصبح خارج دائرة الاهتمام بمجرد عبوره الحدود.
المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع السلطات الليبية، ولا التشكيك في قراراتها السيادية، بل فتح حوار مباشر ومسؤول معها. المطلوب أن يحمل رئيس الوزراء ووزير الخارجية حقائبهما إلى طرابلس، وأن يجلسا مع المسؤولين الليبيين للبحث عن حلول عملية تحفظ مصالح ليبيا وكرامة السودانيين في آن واحد.
يمكن التفاهم على مصفوفة زمنية للعودة الطوعية عندما تتوفر الظروف المناسبة، ويمكن الاتفاق على فترة سماح إنسانية تتيح للناس ترتيب أوضاعهم، ويمكن إيجاد آليات قانونية تميز بين اللاجئ الهارب من الحرب وبين المهاجر غير النظامي.
أما سياسة الصمت والانتظار فلن تنتج سوى مزيد من الخوف والمرارات.
السودانيون في ليبيا لا يطلبون امتيازات خاصة، ولا يبحثون عن معاملة استثنائية. كل ما يريدونه أن يشعروا بأن لهم دولة تتحدث باسمهم حين تضيق بهم الدنيا.
ولهذا نقول مرة أخرى: اصحي يا وزارة الخارجية... فهناك مواطنون ينتظرون من يسأل عنهم قبل أن يصبحوا مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار.




التعليقات (0)
جاري التحميل...