عامر علي الحاج

 يرفع الجيش السوداني وأنصاره شعار الدفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة مخططات خارجية تستهدف البلاد، وهو شعار له ما يسنده في الواقع. إذ لا يخلو مشهد من مشاهد الأزمات الكبرى من تدخل خارجي يصب الزيت على النار، لكن الشعار وحده لا يكفي، بل إن السياسة التي تُطبَّق باسمه تناقضه في جوهرها.

حين يُغلِق الجيش أبواب التعبير السياسي في الداخل، ويُجرِّم كلَّ حراك مدني بتهمة التعاون مع العدو، ويُوظِّف القضاء أداةً للملاحقة لا ميزانًا للعدل، فإنَّه لا يحمي السيادة، بل يُفرِّغها. لأن المعارضة التي لا تجد فضاءً في الداخل لن تختفي، بل ستبحث عن تمويل في الخارج وعن منابر خارج الحدود، ومعها ستدخل شروط الممول وأجنداته وأولوياته. والهدم دائماً أسهل من البناء، وإمكانات الخارج أكبر من إمكانات أية معارضة محلية مُعدمة ومُلاحَقة.

بعبارة أوضح: سياسة الإسكات هي التي تصنع التدخل الخارجي، لا التي تصده.

المنطق الاستراتيجي السليم يقول عكس ما يُطبَّق الآن. إذا كان الجيش واثقًا فعلًا من أنَّ الشعب في صفه -كما يُعلن أنصارُه في كلِّ مناسبة- فالفضاء الحرُّ يُثبت هذه الحقيقة ولا يُهددها. أما إسكات الأصوات وملاحقة الناشطين وتجريم لجان المقاومة، فإنّه يُوحي بعكس ما يُعلَن، يوحي بخوف من صناديق الرأي لا ثقة بها.

والثمن الاستراتيجي لهذه السياسة باهظ: معارضة داخلية تتحوّل إلى أداة في يدِّ جهات خارجية لا تشاركها بالضرورة همومها الوطنية، وشرعية متآكلة في الداخل والخارج معًا، وحرب تجد في غياب الفضاء السياسي وقودًا إضافيًا، إذ تُغري كلَّ مظلوم بأن يبحث عن سلاح بدل أن يبحث عن صوت.

نعم، فتح الفضاء السياسي قد يقود إلى احتجاج، وربما إلى انتفاضة، لكن الانتفاضة الشعبية السلمية في -أسوأ أحوالها- أقل كُلفة من حرب أهلية مفتوحة تُدمِّر ما بقي من دولة ومجتمع. والجيش الذي يخشى الشعارات أكثر مما يخشى القذائف، يكون قد فقد بوصلته الاستراتيجية قبل أن يفقد المعركة الميدانية.

المطلوب ليس تسليم السلطة ولا الاستسلام لأحد، المطلوب حساب بارد للتكاليف والمكاسب. الفضاء السياسي الحر في الداخل هو الخيار الأرخص والأذكى: يمتص الاحتقان، يُعيد الشرعية، يُجفف منابع التدخل الخارجي، ويُتيح حوارًا وطنيًا يمكن أن يُسهم في إطفاء الحرب وإزالة كثير من أسبابها.

أما الخيار الآخر (الإسكات والملاحقة والرهان على القوة وحدها)، فتاريخه في السودان وحده كافٍ للحكم عليه: ثلاثة عقود من الإنقاذ انتهت بما انتهت إليه.

من يملك الشوكة ويثق بها لا يخشى الكلمة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...