جهاد الطيب عبد الله

في تاريخ السودان الحديث، ظلَّ الشباب يمثِّلون القوة المحرِّكة في مواجهة الطغيان، حيث كانوا يتوحَّدون في لحظات النضال ضدَّ الاستبداد. غير أنَّ حرب الخامس عشر من أبريل قلبت الموازين، وأفرزت واقعًا جديدًا تتباين فيه الرؤى والآليات بين المجموعات الشبابية، حول كيفية تحقيق السلام والتحوُّل المدني الديمقراطي.

هذا التباين لم يكن مجرَّد اختلاف في الوسائل، بل ارتبط بتحوُّلات عميقة في البنية الاجتماعية والسياسية داخل السودان. فبينما تسعى بعض المجموعات إلى ترسيخ مشروع التحوُّل الديمقراطي عبر بناء مؤسسات مدنية مستقلة، يذهب آخرون نحو تبني خطاب أو ممارسات قد تُفضي إلى عسكرة الدولة، وإن كانت بصياغات ناعمة تحمل مفردات الشمولية تحت غطاء المشاركة الوطنية.

أزمة الثقة بين هذه المجموعات الشبابية، تتجلى في عدة مستويات:

الخطاب السياسي؛ حيث يتباين بين الدعوة إلى شراكة مدنية شاملة، وبين محاولات إضفاء الشرعية على أدوار عسكرية في المرحلة الانتقالية.

العمل الميداني؛ بعض المبادرات الشبابية تنخرط في جهود الإغاثة وبناء السلام المجتمعي، بينما تتَّجه أخرى نحو الاصطفاف السياسي المرتبط بمراكز القوة المسلحة.

المشهد الاجتماعي؛ الحرب عمَّقت الانقسامات، وأضعفت الروابط التقليدية التي كانت تجمع الشباب في مواجهة الاستبداد، مما جعل الثقة المتبادلة أكثر هشاشة.

يبقى السؤال الجوهري: هل تستطيع القوى الشبابية تجاوز هذه الأزمة وبناء جبهة موحَّدة تخدم مشروع التحوُّل الديمقراطي الحقيقي، أم أنَّ الانقسامات ستفتح الباب أمام عسكرة الدولة وإعادة إنتاج الشمولية بوجه جديد؟

إنَّ مستقبل السودان يتوقف -إلى حدٍّ كبيرٍ- على قدرة شبابه في إعادة بناء الثقة، وصياغة رؤية مشتركة تعبِّر عن تطلعاتهم في الحرية والعدالة، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة العسكرية أو الشعارات الزائفة. فالشباب -الذين يشكِّلون غالبية المجتمع- هم وحدهم القادرون على تحويل الطاقة الثورية إلى قوة تغيير مؤسسية، إذا ما اختاروا طريق الديمقراطية على حساب العسكرة.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...