د. عثمان البشرى

لم تكن كارثة انفصال جنوب السودان سياسية فقط، بل أنتجت جراحًا إنسانية ما زالت تنزف حتى اليوم، من بين هذه الجراح ظهور فئة جديدة من "البدون" السودانيين... جنوبيون ولدوا وترعرعوا في الشمال لأجيال، فوجدوا أنفسهم بعد 2011م بلا وطن ولا أوراق، وفاقمت حرب 2023م الأخيرة مأساتهم وحوَّلتها إلى كابوس يومي.

عهد الإنقاذ: ديك العدة الذي كسر كلَّ شيء

لعلَّ عهد الإنقاذ -بكلِّ مآسيه- أقرب لأن نطلق عليه "ديك العدة". فحكم الإنقاذ شهد مجموعة من المخازي واللاإنسانيات، مما جعل السودان أنموذجًا يستحق الدراسة لكيفية جور الحكام على البلاد والعباد. لم يكتفِ بذلك، بل ترك آثارًا ماثلة يصعب معالجتها.

فإذا ما أردنا طرد الديك بقول "كَرْ"، لانكسر ما تبقى من السودان.

الوحدة التي كانت ممكنة

السودان بشماله وجنوبه كانا أقرب للتفاهم، وكان جعل الوحدة أمرًا جاذبًا أكثر من كونه نافرًا ممكنًا بالحوار والتنازلات هنا وهناك، وبالتالي الوصول لحلول واقعية ربما أدَّت لبقاء السودان واحدًا موحّدًا.. بالرغم من تعنُّت السياسيين والعسكريين على حدٍّ سواء.

الانفصال... وما أغفله

الانفصال -في حدِّ ذاته- أصبح نقطة مفصلية في تاريخ السودان الحديث، كان له ما بعده. ومن عجب أنَّ دولة الجنوب الوليدة ما انفكت تطلق على نفسها "دولة جنوب السودان"، في دلالة رمزية بأنَّ ما يجمع أكثر مما يفرِّق، وكان يمكن لها أن تختار اسمًا مغايرًا.

هذا الانفصال أغفل حقيقة مهمة: وهي أنَّ أعداداً معتبرة من أهل الجنوب ولدوا وترعرعوا بالشمال منذ أجدادهم، لا يعرفون عن الجنوب إلا أسماء مناطقهم فقط. وفجأة بعد الانفصال، طُلب منهم أن يغادروا إلى جنوب السودان.

فئة عالقة بين نارين!

ظهرت طبقة من هؤلاء لم يعودوا إلى الجنوب، حيث أصبحوا يعيشون في قلق بالغ، ويدفعون أثمان سياسات خرقاء أو مستجدات سالبة طارئة بين الدولتين.

تفاقم الوضع عقب اندلاع الحرب في السودان، حيث أصبحت هذه الفئة عرضة للمضايقات التي وصلت للتصفية الجسدية من قِبل المتحاربين. حدا ذلك بالكثيرين إلى الفرار إيثارًا للسلامة لدول الجوار، لكنهم وُوجهوا بواقع أكثر مأساوية، من حيث عدم امتلاكهم لوثائق ثبوتية تؤكد انتماءهم لدولة معينة، بجانب دخولهم لتلك البلدان بصورة غير شرعية عن طريق التهريب.

وثائق لا تسمن ولا تغني من جوع

نعم، وفَّرت لهم مفوضية اللاجئين وثائق مؤقتة، لكنَّها لا تسمن ولا تغني من جوع، فازداد وضعهم سوءاً. المشكلة شبيهة بما حدث بالخليج، وتحديدًا دولة الكويت، حيث عُرفوا بفئة "البدون"... أشخاص لا يحملون جنسية معترفًا بها وغير محددي الجنسية.

يواجه هؤلاء "البدون" من السودانيين تحديات معيشية في أوجه الحياة المختلفة: التعليم، الصحة... أو حتى استخراج شهادات ميلاد ووفاة.

مفوضية اللاجئين والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، وصفتهم بـ "عديمي الجنسية"*stateless*  وتعمل على تسليط الضوء على المشكلة عالميًا.

نداء إنساني قبل أن يكون سياسيًا

وهنا لا بدَّ من لفت النظر ومناشدة حكومتي دولتي السودان لإدراج بند هؤلاء "البدون" في أي تفاهمات مستقبلية. فلا يعني الانفصال نهاية المطاف.

فوحدة الوجدان والجانب الإنساني يدعوانا للاهتمام بهم، وإيجاد حلول موضوعية تحفظ آدميتهم. قضيتهم اختبار حقيقي لضمير الدولتين.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...