تعليم وتزكية

الزبير محمد علي 

 

تأتي المناسبات الدينية والأعياد في الإسلام لتجديد أواصر المحبة، وإظهار وحدة الأمة، لكن المقصد المتمم لهذه البهجة يكمن في جعلها محطةً للتعافي، والتصافي، ونبذ الخلافات. إن قضية الخصومات والمقاطعة بين المسلمين -والتي قد تمتد لسنوات بين الأرحام أو الأصدقاء، لأسباب دنيوية زائلة أو اختلافات في الآراء والمواقف- تُعدُّ من أخطر الآفات التي تمزّق النسيج الاجتماعي خاصة في ظل هذه الحرب التي نعيشها منذ أكثر من ثلاث سنوات، مما يستدعي عمل وقفة جادة على ضوء الكتاب والسنة رفعًا للوعي، وإسهامًا في ترميم العلاقات الاجتماعية.

 

منهج الأنبياء والصالحين في التجاوز

لقد قدم القرآن الكريم والسيرة النبوية المطهرة، أروع الأمثلة في العفو عند المقدرة:

 

يوسف عليه السلام

على الرغم من أن إخوته رموه في الجب وشرعوا في إقصائه، إلا أنه حين مكَّن الله له في مصر قال: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ)، بل ومن نبيل خُلقه أنه نسب السوء للشيطان حرصًا على بقاء الود معهم.

 

رسول الرحمة ﷺ

عفا عن المشرك الذي اخترط سيفه ليقتله في غزوة ذات الرقاع، وعفا عن أهل الطائف الذين قذفوه بالحجارة حتى سال دم قدميه الشريفتين، ودخل مكة منتصرًا فاتحًا، فقال لأهلها الذين عذبوه وطردوه: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

 

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-

حين أقسم ألا ينفق على مسطح بن أثاثة لخوضه في حادثة الإفك، عاتبه القرآن برفق في قوله تعالى (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)، فلم يتردد في العفو فسامحه وأعاد النفقة فورًا.

 

ثمار العفو ومكاسبه الإيمانية

إن العفو ليس ضعفًا، بل هو ذروة القوة النفسية والمجاهدة، وله ثمار عظيمة تجعل العاقل يسارع إليه:

 

الاتِّصاف بصفات الله ورسوله

 فالعفو اسم من أسماء الله تعالى، وهو يُحِب أن يرى أثره على عباده، وهو أيضًا صفة من صفاتِه سبحانه، وهو كذلك الخُلُق الأصيل للنبي ﷺ الذي ما انتقم لنفسه قط.

 

الاتِّصاف بصفات المتقين

واحدة من صفات المتقين العفو عن الناس، والذي هو درجة أعلى من كظم الغيظ (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ). إن العافين عن الناس يتقدَّمون الخلائق يوم القيامة ليأخذوا أجرهم من الله؛ قال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).

 

العفو بوابة الطمأنينة والاستقرار النفسي

إن الطاقة التي نحتاجها للعفو، أضعاف أضعاف الطاقة التي نُبددُها في الخصومة.

  

استمطار المغفرة والرفعة

إن التسامح مع الخَلق هو بوابة نيل عفو الخالق، كما أن العفو يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة لقوله ﷺ: "وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا".

 

النجاة من الوعيد الشديد

 لقد حذَّر الإسلام تحذيرًا بالغًا من الهجران والقطيعة، واعتبر النبي ﷺ أنَّ هجر المسلم لأخيه فوق ثلاث ليالٍ مُحرَم، بل وجاء في الحديث: "من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه".

إن العفو يحتاج إلى التنازل عن الكبرياء وحظوظ النفس لوجه الله تعالى، ودفع السيئة بالحسنة هو الذي يحول العداوة إلى ولاء وحميمية. فلنجعل من هذا العيد فرصة للتصافي، ولنبادر بالسلام لنكون من خيار الناس، سائلين الله تعالى أن ينزع الغل من صدورنا ويجعلنا إخوة متحابين في الدنيا ويوم القيامة على سررٍ متقابلين... آمين.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...