الواثق البرير

 

​إن قضية العلاقة بين الدين والدولة، ظلت منذ عقود إحدى أكثر القضايا التصاقًا بالصراع السياسي، ومحاولات إعادة تشكيل المجال العام، وفق رؤى أيديولوجية متنازعة، كثيرًا ما سعت إلى فرض وصايا جديدة على الشعب السوداني دون اعتبار حقيقي لخصوصيته التاريخية والثقافية والدينية، ودون إشراكه بصورة حرة وواعية في تحديد طبيعة الدولة ونظام الحكم الذي يرتضيه. وقد جرى توظيف هذا الجدل مرارًا كأداة للاستقطاب والإقصاء، لا كمدخل لبناء توافق وطني جامع يؤسس للاستقرار والعدالة والسلام الاجتماعي؛ إذ يمثل السجال المحتدم في جوهره، إعادة إنتاج لأزمة مزمنة تقوم على محاولة احتكار الحقيقة السياسية والأخلاقية وفرضها على المجتمع السوداني، سواء باسم الحداثة والتنوير أو باسم الدين والتمكين، فكلا المشروعين، حين يتحوّلان إلى أداة قسر وإلغاء، ينتهيان إلى تقويض التعدد الوطني، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وإضعاف فرص بناء دولة مستقرة تتسع لجميع السودانيين.

​وانطلاقًا من هذه الرؤية النقدية، رفضنا في حزب الأمة القومي -بصورة قاطعة- محاولات فرض الدولة الدينية كافة، التي توظف الدين لإضفاء قداسة على السلطة السياسية وتحتكر الحديث باسم الدين، في مخالفة لجوهر الدين الإسلامي الذي لا يعرف الكهنوت، ولا يمنح أحدًا حقَّ الوصاية على ضمائر الناس أو احتكار تفسير الدين لتبرير الاستبداد. ولقد ظل الحزب، عبر مسيرته الفكرية والسياسية، في مقدمة القوى الوطنية التي واجهت مشاريع الهيمنة والإقصاء بصورها كافة، حيث تصدى بحزم فكري وسياسي لمشروع الإسلام السياسي الذي انحرف عن مقاصد الدين وتحول إلى مشروع سلطوي، سعى إلى احتكار الحقيقة وفرض ما سُمّي بـ"المشروع الحضاري" على السودانيين بالقوة والإقصاء والتمكين الأيديولوجي. وقد أدرك الحزب مبكرًا أن ذلك المشروع، بما حمله من نزعة شمولية وتطرف سياسي واستغلال للدين في الصراع على السلطة، يمثل قطيعة مع التدين السوداني المتسامح والمتصالح مع التنوع، ومفارقة عميقة لوجدان المجتمع السوداني وتاريخه القائم على الاعتدال والتعايش؛ ولذا خاض الحزب معركة فكرية وسياسية طويلة أسهمت في تعرية تناقضات ذلك المشروع وكشف مآلاته الكارثية على وحدة البلاد والدولة والمجتمع، حتى سقط أخلاقيًا وسياسيًا، وفقد قدرته على ادِّعاء تمثيل الإرادة الوطنية أو التعبير عن روح الإسلام وقيمه الحقيقية.

​وبذات القدر من الوضوح والمسؤولية، يرفض الحزب كذلك محاولات فرض العلمانية باعتبارها نموذجًا معزولًا عن الواقع السوداني وسياقه الحضاري والثقافي؛ فالعلمانية نشأت استجابة لظروف تاريخية خاصة بصراع الكنيسة مع المجتمع والعلم والدولة، وهي ظروف لا تنطبق بصورة ميكانيكية على التجربة السودانية. وعليه، فإن محاولة استنساخ هذا النموذج وفرضه على المجتمع السوداني عبر النخب أو عبر ترتيبات دون تفويض شعبي حقيقي، تمثل شكلًا جديدًا من أشكال الاستبداد الفكري والسياسي، لأنها تتجاهل المكون الديني والثقافي العميق في وجدان الشعب السوداني، وتسعى إلى إعادة هندسة المجال العام بعيدًا عن إرادته الحرة وتوازناته الاجتماعية. ومن ثم، يقف الحزب في مواجهة مشاريع العلمنة القسرية التي سعت إلى اقتلاع الدين من المجال العام أو التعامل مع الهُوية الثقافية والدينية للسودانيين باعتبارها عقبة أمام بناء الدولة الحديثة، معتبرًا أن أي مشروع يتجاوز حقيقة التكوين الاجتماعي والثقافي للشعب السوداني، أو يسعى إلى فرض تصورات معزولة عن الإرادة الشعبية، إنما يعيد إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة مهما حمل من شعارات، تمامًا كما يرفض ويقاوم بحسم مشاريع العسكرة والهيمنة العسكرية على المجال السياسي، انطلاقًا من إيمانه الراسخ بأن بناء الدولة الوطنية لا يمكن أن يتحقق تحت سلطة السلاح أو الوصاية الأمنية، وإنما عبر الشرعية الديمقراطية والتوافق المدني والاحتكام لإرادة الشعب.

​إن بناء الدولة السودانية الحديثة لا يمكن أن يتحقق عبر فرض الرؤى الأيديولوجية أو إخضاع المجتمع لثنائيات قسرية بين العلمانية الصلبة والدولة الدينية المغلقة، وإنما عبر حوار وطني واسع يؤسس لتوافق تاريخي جديد يشارك فيه جميع السودانيين دون إقصاء أو وصاية؛ فالتوافق السياسي الحقيقي يُبنى بصياغة عقد اجتماعي جديد يعبر عن الإرادة الشعبية ويحترم التنوع الثقافي والديني والإثني، ويحقق التوازن بين قيم المجتمع ومتطلبات الدولة الحديثة. ومن هذا المنطلق، يتمسك حزب الأمة القومي بمشروع الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، بوصفها الصيغة القادرة على إدارة التنوع السوداني وصيانة الوحدة الوطنية، وهي دولة تقوم على الالتزام الصارم بمبادئ حقوق الإنسان وقواعد الديمقراطية التوافقية ومعايير الحكم الراشد، وتنهض على المواطنة المتساوية، وسيادة حكم القانون، والعدالة الاجتماعية، والحريات العامة والدينية، والفصل الواضح بين المواطنة المتساوية والانتماء الديني، دون عداء للدين أو توظيف له في الصراع السياسي. كما تسترشد هذه الدولة بالقيم الأخلاقية والإنسانية المستمدة من مقاصد الرسالات السماوية ضمن قراءة تجديدية منفتحة تراعي تطور المجتمع وتنوعه، وتعمل على إدارة التنوع الثقافي والإثني والديني في إطار الوحدة الوطنية وفق معايير متفق عليها تحقق التوازن التنموي وتزيل المظالم التاريخية، وتؤمن بأن الدين ينبغي أن يبقى قوة إلهام أخلاقي ووحدة مجتمعية، لا أداة للهيمنة والانقسام.

​وفي هذا السياق، يؤكد الحزب انفتاحه الكامل على حوار جاد ومسؤول بين القوى المدنية السودانية كافة، يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف المشروع بحق الاختلاف الفكري والسياسي، بهدف الوصول إلى توافق وطني حقيقي يستند إلى الإرادة الحرة للسودانيين، لا إلى فرض الرؤى الأيديولوجية أو تكريس الأمر الواقع عبر موازين القوة السياسية أو الضغوط الخارجية. وانطلاقًا من هذه المسؤولية الوطنية، ظل الحزب يدير نقاشات معمقة مع مختلف التيارات المدنية، بما في ذلك التيارات العلمانية، بروح من الجدية والانفتاح والسعي المشترك لإيجاد مقاربة واقعية ومتوازنة، تعبر عن حقيقة المجتمع السوداني وتعقيداته التاريخية والثقافية، بعيدًا عن الاستقطاب الحاد أو محاولات الإلغاء المتبادل؛ حيث يعتبر الحزب أن وحدة الصف المدني وبناء جبهة مدنية عريضة وفاعلة، يمثلان ضرورة وطنية لمخاطبة جذور الأزمة السودانية، وبناء مسارات مستقبلية مستقرة تؤسس للسلام والتحول الديمقراطي والعدالة الاجتماعية. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينًا بالالتزام بالحوار والتوافق واحترام التنوع، لا بالسعي لفرض صيغ أحادية غير متفق عليها أو تقديم تصورات فكرية باعتبارها حقائق نهائية ملزمة للسودانيين كافة، فالسودان لا يحتمل مشاريع الهيمنة الفكرية، أو السياسية، أو العسكرية الأحادية، وإنما يحتاج إلى شراكة وطنية واسعة وعادلة تقوم على الحوار والتراضي والتعددية والدستور الديمقراطي، بما يصون كرامة المواطن وحقوقه الإنسانية، ويحترم الأديان ويكفل الحماية الكاملة للحريات الدينية، بعيدًا عن كل أشكال الوصاية والاستبداد.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...