خبير تنمية بشرية : السودان يواجه مجموعة من الأزمات المتشابكة والمتداخلة
قباني: المرتبات والأجور فقدت قيمتها الحقيقية في ظل الارتفاع المتسارع لسعر صرف الدولار
الحكومة أقرت بتزايد معدلات الفقر بين السودانيين في الداخل والخارج
الشريف: اتساع الفجوة بين الدخل ومتطلبات المعيشة دفع كثيراً من العاملين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة
تحويلات المغتربين بالعملات الأجنبية أصبحت تمثل ركيزة أساسية في تغطية النفقات المعيشية
صوت الأمة – ناهد محمد
يعيش السودانيون أوضاعاً اقتصادية بالغة الصعوبة في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار السلع والخدمات، إذ تلتهم موجات الغلاء المتسارعة ما تبقى من دخول المواطنين ومدخراتهم، بينما تتآكل القدرة الشرائية بوتيرة غير مسبوقة. وأصبحت كثير من الأسر عاجزة عن مجاراة تكاليف المعيشة، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الدخل والإنفاق اللازم لتأمين الاحتياجات الأساسية.
ومع اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023، ازدادت الضغوط الاقتصادية على العاملين في القطاع الحكومي، إذ لم تُصرف مرتبات شهر أبريل بالكامل، وتواصل انقطاع الرواتب لأشهر عديدة في عدد من المؤسسات. وفي وقت لاحق، بدأت الدولة في صرف ما يعادل نصف راتب شهري لبعض الموظفين، الأمر الذي وضع العاملين بين مطرقة الارتفاع المستمر في أسعار السلع وسندان ضعف الأجور، بل وانعدامها في بعض الفترات لأشهر متتالية.
الفقر يتمدد والفوارق الاجتماعية تتسع
يرى خبير التنمية البشرية المهندس فؤاد قباني أن السودان يواجه مجموعة من الأزمات المتشابكة والمتداخلة، إلى حد يصعب معه تحديد أيها شكّل الشرارة الأولى للأزمة الراهنة: «فساد الإدارة أم الفساد المالي أم غلاء الأسعار وجشع التجار أم تراخي الدولة في فرض هيبتها لحماية الفقير والمحتاج؟».
وقال قباني، في إفادته لـ«صوت الأمة»، إن تراخي الدولة في فرض هيبتها وسيادة القانون أسهم بصورة مباشرة في تفاقم الأزمة الاقتصادية وتهريب الموارد، موضحاً أن تهريب الموارد الاستراتيجية، وفي مقدمتها الذهب، بات يستنزف الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن جزءاً من عائدات الصادرات لا يعود إلى خزينة الدولة حتى عندما يتم التصدير عبر المنافذ الرسمية، الأمر الذي يحرم الاقتصاد من موارد حيوية كان يمكن أن تسهم في تخفيف حدة الأزمة.
وأشار إلى أن المرتبات والأجور فقدت قيمتها الحقيقية في ظل الارتفاع المتسارع لسعر صرف الدولار ومعدلات التضخم، حتى بات راتب الموظف أو العامل عاجزاً عن تغطية احتياجات أسرته لأيام معدودة. وبعد ذلك تبدأ، بحسب وصفه، رحلة البحث عن مصادر دخل إضافية لتوفير متطلبات المعيشة الأساسية من غذاء ودواء وتعليم.
وأوضح أن رب الأسرة يجد نفسه يومياً في مواجهة ضغوط متزايدة بين توفير الاحتياجات الأساسية لأبنائه والاستجابة لمتطلبات الحياة المتنامية، في ظل تراجع القدرة الشرائية وغياب المعالجات الاقتصادية الفاعلة.
وحذر قباني من التداعيات الاجتماعية والنفسية للأزمة الاقتصادية، مشيراً إلى أن آثارها لا تقتصر على العاملين أنفسهم، بل تمتد إلى أسرهم وأبنائهم. وقال إن اتساع الفوارق الاجتماعية وظهور مظاهر الثراء الفاحش لدى فئات محدودة، مقابل اتساع دائرة الفقر والعوز، قد يخلق مشاعر إحباط واحتقان لدى الأجيال الشابة، خصوصاً عندما يقارنون أوضاعهم المعيشية الصعبة بما يشاهدونه من مظاهر الرفاه لدى آخرين ارتبطت ثرواتهم، في نظر الرأي العام، بممارسات غير مشروعة أو باستغلال النفوذ.
«إمبراطورية فساد» تتغذى على ضعف الرقابة
وانتقد الخبير فؤاد قباني ما وصفه بتغلغل الفساد داخل مؤسسات الدولة، معتبراً أن الظاهرة تجاوزت الممارسات الفردية لتتحول إلى شبكات مصالح مترابطة تحمي بعضها بعضاً، بما يشبه «إمبراطورية فساد».
وقال إن هذه الشبكات تستفيد من حالة الضعف الرقابي والمؤسسي، الأمر الذي أسهم في تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها المواطنون.
ورأى أن استمرار الفساد يمثل أحد أبرز العوائق أمام أي إصلاح اقتصادي حقيقي، مشيراً إلى أن تداعياته تنعكس بصورة مباشرة على مستويات المعيشة وتزيد من الضغوط الواقعة على الفئات محدودة الدخل، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة.
وطالب قباني السلطات بإعطاء أولوية قصوى لمكافحة الفساد قبل التفكير في زيادة الأجور والمرتبات، مؤكداً أن تحسين الدخول لن يحقق أهدافه ما لم تصاحبه إجراءات صارمة لضبط المال العام ومحاسبة المتجاوزين.
وأضاف أن تجارب سابقة أظهرت، بحسب رأيه، محدودية أثر بعض الإجراءات العقابية، إذ تمكن عدد من المتهمين في قضايا فساد من الحفاظ على نفوذهم الاقتصادي ومواصلة إدارة مصالحهم رغم الملاحقات القانونية التي تعرضوا لها.
وشدد على أهمية تطبيق العقوبات الرادعة وتعزيز آليات المحاسبة والرقابة، معتبراً أن فرض سيادة القانون يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة في مؤسسات الدولة وتهيئة البيئة اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

الفقر المتصاعد يفرض تحديات جديدة
أقرت الحكومة بتزايد معدلات الفقر بين السودانيين في الداخل والخارج في ظل التداعيات الاقتصادية المتفاقمة للحرب، وتراجع النشاط الإنتاجي، وارتفاع معدلات التضخم.
وقال وزير تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، إن نسبة الفقر ارتفعت إلى نحو 73 في المئة، معتبراً أن توفير سبل كسب العيش يمثل التحدي الأكبر أمام الحكومة خلال المرحلة الراهنة.
وأوضح أن الوزارة أولت هذا الملف أولوية خاصة ضمن خطتها للفترة من 2026 إلى 2030، من خلال التوسع في تنفيذ المشروعات الإنتاجية الصغيرة ومتناهية الصغر بهدف تعزيز فرص العمل وتحسين دخول الأسر الأكثر تأثراً بالأوضاع الاقتصادية.
وأشار إلى أن الوزارة تعتزم خلال عام 2026 التركيز على بناء الشراكات التنموية، مستهدفة تنفيذ نحو 500 ألف مشروع للشباب والنساء، إلى جانب تطوير شراكات في القطاع الزراعي لدعم الإنتاج وتحقيق الاستدامة الاقتصادية.
وأضاف أن الوزارة أنشأت حتى الآن 15 شراكة إنتاجية استفادت منها 50 امرأة، واصفاً النساء المشاركات بأنهن الأكثر جدية والتزاماً في تنفيذ المشروعات وتحقيق أهدافها التنموية.
وفي وقت سابق، أعلنت وزارة المالية زيادة مرتبات العاملين بالدولة بنسبة تصل إلى 100 في المئة، مع رفع الحد الأدنى للأجور إلى 425 ألف جنيه سوداني، إلى جانب تخصيص حزمة دعم نقدي مباشر للأسر الفقيرة وأصحاب المعاشات، في خطوة تستهدف التخفيف من الأعباء المعيشية ومواجهة آثار الغلاء المتصاعد.
معركة البقاء
ورغم الإجراءات الحكومية المعلنة، يرى الخبير الاقتصادي أحمد الشريف أن ضعف الأجور في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف المعيشة لم يعد مجرد تحدٍ اقتصادي، بل تحول إلى «معركة بقاء» يومية يخوضها الموظف العام لتأمين احتياجات أسرته الأساسية.
وقال الشريف، في حديثه لـ«صوت الأمة»، إن اتساع الفجوة بين الدخل ومتطلبات المعيشة دفع كثيراً من العاملين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة لتغطية نفقاتهم، مشيراً إلى أن بعض الموظفين اتجهوا إلى ممارسة أعمال إضافية خارج أوقات الدوام الرسمي لتعويض التراجع الحاد في القوة الشرائية للرواتب.
وأوضح أن أحد أهم مصادر الدعم التي تعتمد عليها الأسر يتمثل في شبكات التكافل الاجتماعي والتحويلات المالية من السودانيين العاملين في الخارج، لافتاً إلى أن تحويلات المغتربين بالعملات الأجنبية أصبحت تمثل ركيزة أساسية في تغطية النفقات المعيشية لعدد كبير من الأسر، في ظل محدودية الدخل المحلي وتراجع قيمته الفعلية.
وأضاف أن الأسر السودانية اضطرت كذلك إلى إجراء تغييرات جوهرية في أنماط استهلاكها عبر تقليص الإنفاق على السلع غير الضرورية، والاعتماد على بدائل أقل كلفة، فضلاً عن خفض استهلاك بعض السلع الأساسية وتقليص الوجبات اليومية لمواكبة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وفيما يتعلق بالارتفاع المتواصل للأسعار، أكد الشريف أن الأسواق لا تتحرك بمعزل عن البيئة الاقتصادية المحيطة، مشيراً إلى وجود عوامل هيكلية وأخرى طارئة أسهمت مجتمعة في تغذية موجات الغلاء المتلاحقة.
واعتبر أن التدهور الحاد في قيمة العملة الوطنية يمثل المحرك الرئيس لارتفاع الأسعار، موضحاً أن الانخفاض المستمر في سعر صرف الجنيه ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج القادمة من الخارج.
وأضاف أن اعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على الواردات يجعل أي تراجع في قيمة العملة المحلية يترجم تلقائياً إلى زيادات جديدة في أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المستهلك النهائي.
الأسواق تلتهم زيادة الأجور
وتعكس حركة الأسواق حجم الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر السودانية، إذ واصلت أسعار السلع الأساسية، لا سيما الغذائية منها، تسجيل ارتفاعات متسارعة جعلت أي زيادات في الأجور عاجزة عن مواكبة تكاليف الحياة اليومية.
وشهدت أسعار السلع الاستهلاكية قفزات لافتة خلال الفترة الأخيرة، إذ بلغ سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً نحو 215 ألف جنيه، فيما تراوح سعر الكيلوغرام بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف وخمسمئة جنيه، بحسب المناطق ومنافذ البيع.
كما ارتفع سعر جوال زيت الفول زنة 36 رطلاً إلى نحو 190 ألف جنيه، بينما سجل جوال العدس زنة 20 كيلوغراماً نحو 93 ألف جنيه، ووصل سعر جوال البصل إلى 95 ألف جنيه، في حين بلغ سعر كرتونة عصير «فريست» نحو 29 ألف جنيه.
ولم تكن الخضروات بمنأى عن موجة الغلاء، إذ سجل كيلو البطاطس نحو ستة آلاف جنيه، فيما بلغ سعر كيلو الطماطم ثمانية آلاف جنيه، وسط تفاوت ملحوظ في الأسعار بين الولايات والمناطق المختلفة.
وفي قطاع اللحوم، وصل سعر كيلو لحم الضأن إلى نحو 60 ألف جنيه، بينما سجل كيلو اللحم العجالي نحو 32 ألف جنيه. كما بلغ سعر رطل اللبن نحو 1700 جنيه، في وقت ارتفعت فيه تكلفة الخبز ليصل سعر أربعة أرغفة إلى ألف جنيه، مع توقعات بتقليص العدد إلى ثلاثة أرغفة بالسعر نفسه نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وامتدت الزيادات إلى قطاع الوقود، إذ سجل سعر جالون البنزين نحو 34 ألف جنيه، بينما بلغ سعر جالون الجازولين نحو 40 ألف جنيه، مع استمرار التفاوت السعري بين الولايات والمناطق تبعاً لتكاليف النقل والإمداد وتوافر السلع.



التعليقات (0)
جاري التحميل...