طاهر المعتصم
حينما تم تعيين كامل إدريس قبل عام، جرى تسويق الرجل باعتباره “تكنوقراط المرحلة الحرجة”، و”رجل العلاقات الدولية” القادر على فتح النوافذ المغلقة أمام السودان، واستعادة ما تبقى من ثقة المجتمع الإقليمي والدولي في دولة أنهكتها الحرب والانقسام والفشل السياسي. يومها، بدا وكأن السلطة أرادت أن تقدم للرأي العام “وجهاً مدنياً” يخفف من وطأة المشهد العسكري، ويمنح الداخل والخارج انطباعاً بأن هناك مشروع دولة يتشكل. لكن بعد مرور عام كامل، لا تزال الأسئلة القديمة قائمة، بينما تتكاثر الأزمات بوتيرة أكثر قسوة.
المحصلة السياسية حتى الآن تقول إن حكومة إدريس لم تنجح في تقديم خطة استراتيجية متماسكة للتعافي السياسي أو الاقتصادي، ولم تطرح رؤية واضحة لما بعد الحرب، ولا حتى برنامجاً إسعافياً يبعث الطمأنينة وسط ملايين السودانيين الذين يعيشون بين النزوح والجوع وانهيار الخدمات. بل إن كثيراً من المراقبين باتوا يرون أن رئاسة الوزراء نفسها تحولت إلى موقع بروتوكولي محدود التأثير، بينما تُدار الملفات الكبرى خارج مكتب رئيس الوزراء.
في ملف العلاقات الخارجية مثلاً، ظل القرار الحقيقي بيد الفريق أول عبد الفتاح البرهان ومستشاره للعلاقات الخارجية، فيما بدا كامل إدريس أقرب إلى “ضيف شرف” في أكثر الملفات حساسية. زيارته الأولى إلى مصر لم تحقق اختراقاً سياسياً أو اقتصادياً يُذكر، رغم العلاقات التاريخية وتشابك المصالح. أما زيارته إلى المملكة العربية السعودية فقد أثارت كثيراً من علامات الاستفهام، خصوصاً مع غياب أي لقاءات رسمية رفيعة المستوى، وهو ما قرأه مراقبون باعتباره مؤشراً على ضعف الحضور السياسي للحكومة السودانية في الإقليم. ثم جاءت زيارته الأخيرة إلى لندن لتؤكد ذات المأزق؛ حركة دبلوماسية بلا نتائج ملموسة، وخطابات لا تنتج اختراقاً حقيقياً في جدار العزلة.
الأكثر إيلاماً أن الحكومة فشلت حتى الآن في تحريك ملف تجميد عضوية السودان داخل الاتحاد الأفريقي، رغم أن استعادة المقعد الأفريقي كانت تُعد من أولويات أي سلطة تبحث عن شرعية سياسية أو اعتراف إقليمي. لكن يبدو أن الارتباك الداخلي، وتضارب مراكز القرار، أفقد الخرطوم القدرة على مخاطبة العالم بصوت واحد.
وفي الداخل، لا تبدو الأمور أفضل حالاً. الصراع المكتوم بين كامل إدريس والفريق إبراهيم جابر خرج إلى العلن بطريقة غير مباشرة، وكانت ضحيته وزيرة شؤون مجلس الوزراء لمياء عبد الغفار، التي دفعت ثمن الاشتباك بين مراكز النفوذ. كما أن العلاقة المتوترة مع جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة، تكشف حجم الصراع داخل السلطة نفسها، حيث تتنازع المكونات العسكرية والسياسية وشبه العسكرية النفوذ والموارد والمواقع.
ولعل تعيين عضو مكتب رئيس الوزراء، الجعيفري، سفيراً بالخارجية، أعاد إلى الأذهان ذات ممارسات التمكين والمحاصصات التي ظل السودانيون يثورون ضدها منذ سنوات، وكأن الدولة عاجزة عن إنتاج معايير جديدة تقوم على الكفاءة والاستقلالية.
اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر قتامة. أزمة العملة الموحدة لا تزال تراوح مكانها، والتضخم يلتهم ما تبقى من قدرة المواطنين على الحياة، بينما يواصل الجنيه السوداني انحداره المخيف أمام العملات الأجنبية. أما الكهرباء، فقد تحولت إلى كابوس يومي يعمق معاناة الناس ويشل ما تبقى من دورة الإنتاج والخدمات، في وقت تتدهور فيه قطاعات الصحة والتعليم بصورة غير مسبوقة.
بعد عام كامل، يحق للسودانيين أن يسألوا: ماذا أضاف كامل إدريس إلى المشهد غير المزيد من الضباب؟ وهل كانت المشكلة في الرجل نفسه، أم في طبيعة السلطة التي جاءت به “فزعة” لتكتشف البلاد لاحقاً أنها صنعت “وجعة” جديدة تضاف إلى سجل الأوجاع السودانية المفتوح؟.




التعليقات (0)
جاري التحميل...