عامر علي الحاج
مدخل: أكتب هذا المقال على ضوء فكرة جدل الأصل والعصر للإمام الصادق المهدي. تحيةً مني إلى صحيفة "صوت الأمة"، التي أعلم أنها منبر مستقل وضمير حي، مهما اتَّخذت من بعض تاريخنا الناصع عنوانًا لها اليوم، وأغلب الظن أنَّ سبب ذلك هو مواجهة ذات أسئلة التأسيس مرة أخرى.
النص:
في العصر الحديث كانت البداية بالفيلسوف الإنجليزي هوبز وضرورة احتكار سلطة استخدام العنف مطلقًا بدون قيد، لأنَّها في ظنِّه البديل عن حالة الحرب. ولكن التاريخ الفعلي أثبت نجاعة ونجاح تطوير جون لوك ومونتسكيو للفكرة؛ لوك الذي أثبت أولوية الحقوق على السلطة، ومونتسكيو الذي ابتدع تقسيم سلطة استخدام العنف بين مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة عن بعضها بعضًا، ونحن نرى في الأرض اليوم ثمرة ذلك من بناء حضاري، حيث طُبِّقت هذه الأفكار بكفاءة.
وفي تاريخ الجغرافيا التي ننتمي إليها، ومهما اتفق كثيرون منا على رشد العهد الأول _في حياة النبي ومَنْ خَلَفه-، فإنّ استيلاء بني أمية على السلطة بالقوة القاهرة، قاد الفقهاء إلى التكيف مع ذلك القهر بدلًا عن احتمال كُلفة مقاومته. وهكذا تحوّلت الأمة -الشعب في المصطلح الحديث- إلى موضوع للسلطة وليس مصدرًا لها، وتم إنتاج بنية باسم الفقه الإسلامي تؤيد المستبد المتغلّب بالقوة تحت ذريعة درء الفتنة، حتى قال بعضهم إنَّ "ستين عاماً من إمام جائر خير من ليلة بدون سلطان". وقاد ذلك ليس فقط إلى انهيار الخلافة الإسلامية بعد عهد انحطاط طويل، بل إلى استمرار تأخُّر المسلمين حتى اليوم في كلِّ منحىً عن العالمين.
وهذا ما صنع حركات الصحوة والتحرير والإحياء والتجديد... وغيرها للدين وباسمه، لصالح محاولات نهوض ولحاق. وكان نصيبنا في السودان منها وافرًا في نهاية القرن التاسع عشر وقبيل نهاية القرن العشرين، وفي الحالتيْن كان واقع السلطة متخلِّفًا عن الشعارات التي نهضت بها. كانت العبرة المطلوبة هي محاسبة القادم بعدهم على عمله لا على شعاره منذ اليوم الأول، بدلًا من دورة أخرى من طلب سلطة مطلقة باسم تحدٍّ طارئ محدود، كما نرى في السودان اليوم.
فالبعض يطالب اليوم بسلطة مطلقة للجيش السوداني باسم الحرب، يبدأ من هوبز ويقف عنده، يبدأ من خوف تمزُّق الأمة بعد صِفين ويقف هناك، يلغي ألف عام، متذرِّعًا بألف يوم من الكارثة -الكارثة التي صنعها أولًا الجيش السوداني نفسه بانقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م-، في تحالفٍ مع أولئك الذين كان أول بروز سلفهم في السودان المعاصر بدعوى التجديد الفقهي بعد الإحياء.
وماذا نتج عن هذا سوى دمار مادي هائل، ومأساة إنسانية تتعاظم، وإهدار لكل معنى يمكن أن ينقذ الناس في السودان؟
هل هناك أوضح من هذا لصالح ضرورة العودة إلى اتِّباع ما هو حقيق بالاتِّباع من عبرة نجاح آخرين في أفريقيا والعالم؟




التعليقات (0)
جاري التحميل...