زورق الحقيقة 

أبو هريرة زين العابدين عبد الحليم

 

الذكاء الاصطناعي ومنظوماته وتطبيقاته وأفرعه، مثل التعليم الآلي الذاتي كأدوات تكنولوجية حديثة، يمكن أن تصبح من أقوى الأدوات أو المنظومات غير العسكرية لمساعدة السودان في قضايا: وقف الحرب، وبناء السلام، وإعادة الإعمار، المعرفة، الشفافية، التخطيط، والقدرة على اتخاذ القرار على أساس سلاح البيانات والمعلومات لا على السلاح الناري والموت والدمار، فكيف نخلق جمهورية الذكاء السياسي والذكاء الاصطناعي؟

الذكاء السياسي قبل الذكاء الاصطناعي:

الفيلسوف نيتشة قال إنَّ المعرفة لم تبتكر من أجل الحقيقة، بل بدوافع القوة والهيمنة، لذلك فهي ابتكار نتيجة لدوافع القوة والهيمنة. وأيضًا واصل ميشيل فوكو وقال نفس الشيء عن العلوم الإنسانية أي أنَّها لم تكن من أجل المعرفة، بل تبريرًا للمؤسسات القائمة، لذلك يجب على الجماهير والمنظمات المدنية استخدام التكنولوجيا لمنفعة الإنسان، وليس لهيمنة السلطات أو التبرير لها، ونحتاج لذكاء سياسي وفكر ومعرفة أولًا. فقد ماتت الحقيقة وسط التدابير الاحتيالية للهيمنة على الذوق وعلى العقل. والآن، بدلًا عن استخدام المسيرات في الزراعة والتنمية، تستخدم لقتل الإنسان وتدمير كلِّ شيء. نحتاج لعمل الكثير في القمة استراتيجيًا ومعرفيًا وتكنولوجيًا وسياسيًا، بعدها سوف تنهار قاعدة التخلُّف والحروب وكلُّ ما هو أسفل وأدنى. 

ألبرت آنشتاين -في إحدى المرات- طلب أن يقابل الصحفي محمد حسنين هيكل، وفي المقابلة ذكر له أنَّه يخشى على العالم من أنَّ البشرية وصلت لسلاح مدمّر أي السلاح النووي، وإذا لم يتحكَّم العقل وترك الأمر للغرائز سوف يتدمر العالم، وكان يريد أن يحدثه عن سلام بين إسرائيل والعرب، وقال له إنه حزين لحرب فلسطين وأنه طُلب منه أن يكون رئيسًا لإسرائيل كمنصب فخري ورفض، وكان يريد منه إرسال رسالة لمحمد نجيب والضباط الأحرار بخصوص السلام بين العرب وإسرائيل. 

بعض السياسيين والعسكر تتحكَّم فيهم الغرائز والغضب، وفي ظل أسلحة المسيرات والذكاء الاصطناعي سوف يكون الناس في خطر. ما نحتاجه هو العقل والمعرفة التي يديرها العقل لا عواطلية الفكر من العسكر وموظفيهم الذين أوردونا هذا الهلاك، فحرب الجنراليْن بعد أن كانا أصدقاء تحولا لأعداء بين يوم وليلة، لا يوجد سياسي عاقل يدخل بلده في حرب ويُصرُّ على استمرارها ويفكر بعواطفه ويتبعه جيش من الحمقى سياسيًا في الاتّجاهيْن. لذلك نحتاج لجمهورية الذكاء السياسي أولًا لتقيم جمهورية الذكاء الاصطناعي.

كلُّ الدول والشركات تستخدم هذه التكنولوجيا، والآن وصلنا مرحلة أن تقود هذه التكنولوجيا السيارات، ما يسمى بنظام القيادة الذاتية في سيارات تسلا والتاكسي بدون سائق والروبوتوتات، حيث دخلنا مرحلة ما يسمى بـ"ال اجنتفيكيشن" الوكلاء الرقميين، بمعنى استخدام منظومات سوفتوير للقيام بالمهام المكررة. المعنى المقصود من المصطلح هو جعل نظام أو برنامج قادرًا على التصرُّف كوكيل مستقل يقوم بمهام، يتخذ قرارات، ويتفاعل مع بيئته دون تدخل بشري مباشر أي أتمتة أو اتمام أو إنجاز المهام عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي إذا صحت الترجمة.

يمكن الاستفادة من ذلك في أربع جبهات رئيسة:

1. دعم جهود وقف الحرب عبر تحليل النزاع وتسهيل الحوار ويمكن بناء نماذج وأنظمة لذلك.

2. حماية المدنيين عبر الإنذار المبكر ورصد الانتهاكات وتزويده بمعلومات وفيديوهات وللتنبوء بها قبل حدوثها ومحاولة التنبيه لحماية المدنيين عبر الإنذار المبكر.

3. إعادة الإعمار عبر التخطيط الذكي للبنية التحتية والاقتصاد ورقمنة كل ذلك.

4. بناء دولة حديثة عبر رقمنة المؤسسات ومحاربة الفساد.

1) كيف يساعد الذكاء الاصطناعي ومنظوماته في وقف الحرب؟

أ. دعم جهود السلام والحوار

منصات مثل Akord AI، صُممت خصيصًا لتقديم تحليلات سلام، أدوات حوار، ومناهج للحوكمة تساعد السياسيين والمجتمع المدني على بناء حلول مشتركة. فربما يأتي يوم تكون هذه المنصات بديلًا للسيولة السياسية وعدم الاتفاق أو كعامل مساعد، وحتى نزاوج بين السياسة والتكنولوجيا.

• تحليل جذور النزاع وتقديم سيناريوهات للحلول.

• مساعدة الوسطاء في تصميم اتفاقيات سياسية عادلة.

• توفير مكتبة ضخمة من تجارب السلام العالمية.

ب. تحليل ديناميات الحرب واتخاذ القرار

الذكاء الاصطناعي يمكنه تحليل:

• تحركات الميليشيات والعصابات، والقوات، والمركبات، والجيوش.

• خطوط الإمداد ويمكن ربطه بشبكة أقمار صناعية أو حتى عبر خرائط ومنظومات قوقل أو شبكة مسيرات وإرسال تقارير حية مباشرة لمعرفة التفاصيل ومتابعة التسليح من منبعه لمصبه للمساعدة في إيقاف الحرب.

• أنماط التصعيد يمكنه رصد حشود القوات وتقدير عددها ونوع التسليح والتحركات، وكل ذلك على الهواء مباشرة كما يقال.

• احتمالات انهيار مناطق معينة، حيث يمكن إقامة نظام تنبوء رقمي وتزويده بمعلومات وصور وفيديوهات حيث يستطيع التنبوء ورسم نماذج احتمالات.

فهذا يساعد صانعي القرار والمدنيين السياسيين والمنظمات، على منع التصعيد ومعرفة ما يجري على الأرض بدل انتظار الكارثة.

ج. الإنذار المبكر وحماية المدنيين.

يمكن للذكاء الاصطناعي ومنظوماته:

• تحليل صور الأقمار الصناعية والدرونس لرصد الحشود العسكرية لتنبيه المدنيين ولاتخاذ القرارات لحمايتهم.

• تتبع النزوح الجماعي.

• التنبؤ بالمجاعات والأوبئة.

• كشف حملات التضليل التي تشعل الحرب مثل الفيديوهات والحسابات التي تبث الدعاية والأكاذيب المضللة من طرفي الصراع في منصات مثل الفيسبوك وإنستغرام... وغيرهما.

2) كيف يساعد الذكاء الاصطناعي ومنظوماته مستقبلًا في إعادة الإعمار؟

 أ. تخطيط المدن والبنية التحتية:

بعد الحرب، السودان يحتاج إلى إعادة بناء الطرق والكهرباء، والمياه، والمستشفيات، والمدارس.

ويمكنه أن يساعد في:

• تحديد أولويات الإعمار حسب الحاجة والجدوى.

• تصميم مدن ذكية منخفضة الكُلفة.

• تحسين شبكات الكهرباء والمياه عبر نماذج المحاكاة.

ب. في إعادة بناء الاقتصاد:

الذكاء الاصطناعي يساعد في:

• تحليل القطاعات الأكثر قدرة على النمو (الزراعة، التعدين، الخدمات).

• تحسين الإنتاج الزراعي عبر التنبؤ بالمناخ. خاصة الزراعة المطرية حيث يخسر المزارع لأنه يزرع دون معرفة توقع نسبة هطول الأمطار وأماكنها ونوع المحصول، وأيضًا يمكن استخدامه في الزراعة المروية وفي الري الصناعي عبر الدرونس.

• مراقبة الأسواق ومنع الاحتكار.

• جذب المستثمرين عبر بيانات شفافة.

ج. مراقبة الفساد والمال العام

حيث يمكنه:

• تتبع الصفقات الحكومية.

• كشف تضارب المصالح.

• مراقبة الإنفاق في مشاريع الإعمار.

• منع سرقة المساعدات.

3) كيف يساعد الذكاء الاصطناعي ومنظوماته في بناء دولة حديثة؟

أ. رقمنة الحكومة

• استخراج الوثائق.

• إدارة السجلات المدنية.

• تحسين الخدمات الحكومية.

• تقليل الاحتكاك البشري الذي يولّد الفساد.

ب. إصلاح التعليم

• منصات تعليم ذكية للطلاب في المناطق المتأثرة بالحرب.

• تدريب سريع للشباب على مهارات المستقبل.

• سد فجوة نقص المعلمين.

ج. تحسين الصحة

• تشخيص الأمراض عبر تطبيقات الهاتف وغيرها والتشخيص والعلاج عن بعد.

• إدارة المستشفيات المدمرة.

• التنبؤ بالأوبئة.

• دعم الأطباء في المناطق المحاصرة.

4) مبادرات عالمية تدعم السودان بالذكاء الاصطناعي Conflict Dynamics International (CDI) تطوّر منصة ذكاء اصطناعي لدعم السلام في السودان، بتمويل من USAID بقيمة 40 مليون جنيه إسترليني لتسريع الحلول التقنية للأزمات.

هذه المبادرات تُظهر أن العالم بدأ يرى الذكاء الاصطناعي كأداة للسلام وليس فقط للحرب وللتكنولوجيا.

5) ما الذي يحتاجه السودان للاستفادة من الذكاء الاصطناعي؟

1) بنية تحتية رقمية

إنترنت، كهرباء، مراكز بيانات. لا بدَّ من تطوير الإنترنت لـ 5G وأعلى، ولشبكات الفايبار بالتعاون بين الدولة والقطاع الخاص والدعم الدولي.

2) تشريعات تحمي الخصوصية

حتى لا يتحوَّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة قمع.

3) تدريب الشباب

السودان يمكنه أن يصبح مركزًا إقليميًا للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، إذا استثمر في موارده البشرية ويمكن أن يتم ذلك عبر التعليم، ودول مثل: الهند والفلبين ورومانيا، أصبحت مراكز لذلك وللمساعدة في خدمة العملاء لكل دول العالم مع إجادة اللغة الإنجليزية لكل الخريجين على أن يصمم نظام تعليمي عالمي. أيضًا يمكن إنشاء تطبيقات على قرار تطبيق بنكك لإيصال المعلومات والخدمات للسكان مع تطوير قطاع الكهرباء والطاقة الشمسية والبنيات التحتية إجمالًا. أيضًا في موضوع الهُوية يمكن تحليل خارطة الـ دي.أن.اي للسودانيين وحتى تتبخر أوهام الهُوية والاستعلاء الزائف ليعرف السودانيون أنهم خليط لهجرات واندماج لمئات السنين.

4) شراكات دولية

يمكن خلق شراكات مع الجامعات، الشركات، والمؤسسات الدولية. ونحتاج لتخطيط شامل لتطوير كل ذلك من الإنترنت لمراكز البيانات لنوع التطبيقات ورقمنة الحكومة وخلق شراكات مع شركات متخصصة ومع الجامعات وجلب الدعم، لا بدَّ أن نبدأ بإنشاء وحدة تخطيط استراتيجية وإدارة لذلك.

الذكاء الاصطناعي لن يوقف الحرب وحده، لكنه يمكن أن يصبح أداة بيد السودانيين لإعادة بناء دولة عادلة حديثة بلا ميليشيات وبجيش وطني واحد يخضع للمدنيين، دولة تحفها التكنولوجيا، وهو الطريق الأهم لسلام دائم فيه مستقبل، حيث يرى الجميع أنهم ينتمون لدولة عادلة ذات ذكاء سياسي واصطناعي وسلام وليست دولة حرب.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...