شيء من حتى
د. عثمان البشرى
كانت سرقة المال العام أو اختلاسه، من الكبائر والمحرَّمات التي يعاقب عليها الرأي العام قبل القانون. فالسرقة -باختلاف مسمياتها- من الممنوعات والمنبوذات في المجتمع السوداني، فكلُّ من تجرأ على ذلك الفعل، يظل ملاحقًا بنظرات وعلامات استفهام أينما حلَّ أو رحل، لا يستطيع محو هذه الجناية بسهولة، وتظل عالقة به حتى مماته بل وملاحقة أسرته من بعده.
ولكن، ما إن حلت لعنة المشروع الحضاري بكل سوءاته وقبحه -الذي لم يحقق شيئًا سوى خلخلة المجتمع وتدميره من جذوره- إلا وضاعت القيم، وبرزت مقولة (الأمن مستتب) التي يستند عليها الدكتاتور وسدنتُه ومشايعوه، فكانت النتيجة، انفلات الأمن وضياع القيم واستشراء الفساد، فضاع السودان كما ضاعت (فيه ملامحنا).
وبالعودة لمقررات منظمة الشفافية الدولية، فقد اعتبرت السودان أحد أكثر الدول فسادًا في العام 2025م، حيث نال المركز (ثالث الطيش) فسادًا في المركز 174 من المركز 177.
وعلى حسب مدركات مؤشرات الفساد والذي رصدته المنظمة الآنفة، حصل السودان على 14 نقطة في ذات العام، وملاحظة التدحرج من العام 2023م.
وقد استند المؤشر أساسًا على فساد القطاع العام.
أما الاستثمار وقطاعاته المختلفة، فهي الأكثر عرضة للفساد، قلَّ المال المنهوب فيها أو كثُر، ساعد على ذلك نظام المحسوبية والتمكين القبلي والمناطقي وعدم الاستقرار السياسي، فكلها محفزات تساعد على نمو بيئة الفساد في السودان، إضافة لامتلاك السودان لموارد ومدخلات إنتاج في كلِّ المجالات والذي عد نقمة أكثر من كونه نعمة تحل على البلاد.
تعددت أشكال الفساد في السودان، وإن كان أعلاها الاختلاسات وسرقة المال العام، يعود ذلك لعدم أو ضعف المحاسبة، حتى ديوان المراجع العام، الجهة الرقابية على المال العام (عامل أضان الحامل طرشا) وإن أشار في بعض الحالات لشبهات الفساد، إلا أن أدراج المسؤولين التنفيذيين، كانت أكثر اشتياقًا لحفظها وكأنما هم (سُكتُم بُكتُم).
ومن العجائب أن قُننت ظاهرة الفساد إبان حكم الإنقاذ، بما يطلق عليه (فقه التحلل)، فكان ذلك إسفينًا دُقَّ في جدار القانون السوداني.
تبع هذه الهجمة المضرية من الفساد، ظهور طبقات طفيلية، ولجت للمجتمع من أبوابه الخلفية، ولتضخيم ذاتهم تبع الظاهرة مجموعة (قونات) لتمجيدهم. فسار في القوم (سجّل لي عرباتك... سجّل لي شركاتك... ودهب أمك وسجم أمك) بدلًا عن (الفارس الجحجاح) ومفردات القيم.
فأصبح المجتمع متقبلًا لهم، وجاعلهم قدوة له... فلم تعد ظاهرة الفساد غريبة بل متعايشة ومتقبلة.
الأمر يحتاج لإعلام استقصائي مدعّم بالوثائق والمستندات، يكون عينًا أمينة على المال العام وسادًا لذرائع الفساد، بعيدًا عن التشهير وليِّ عنق الحقيقة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...