زورق الحقيقة
أبو هريرة زين العابدين عبد الحليم
دخلت "كريهة" السودان، خريفها الرابع وما زالت دماء السودانيين تسيل، ولا بصيص أمل لوقفها وجلب الاستقرار والسلام. ففي حالة فشل آخر مبادرة جادة (مبادرة الرباعية)، فربما ينسى العالم حرب السودان كما نسي العالم حرب الصومال. فما هي الخيارات؟
هل يمكن أن يشمل أحد هذه الخيارات تغييرًا في قيادة المؤسسة العسكرية السياسية لدى طرفي الصراع، أي إعادة تشكيل مركز القرار السياسي والعسكري، كجزء من مخرج واقعي من الأزمة؟
لنعتبر ذلك من اللا مُفكر فيه، سوف أحاول تفكيك ذلك، وقراءة السيناريوهات الممكنة.
ثالثًا: ما هي الخيارات المتاحة أمام السودانيين؟
1. استمرار الحرب إلى أجل غير معلوم:
وهو السيناريو الأسوأ، لكنه –للأسف- الأكثر احتمالًا إذا لم يحدث تغيير جذري في موازين القوى أو في بنية القيادة. أي نصر عسكري أو تغيير في بنية قيادة الطرفين عبر ترتيبات داخلية أو صراع قوى داخلي يؤدي للإطاحة بالقيادات الحالية لطرفي الصراع.
هذا السيناريو -أي استمرار الحرب- يعني:
• مزيداً من الانهيار الاقتصادي.
• انتشار المجاعة وزيادة رقعتها.
• تفكك المجتمع.
• نشوء سلطات أمر واقع متعددة.
• تراجع فرص إعادة بناء الدولة.
لكن هذا السيناريو ليس أمرًا محتوماً.
2. تسوية سياسية جذرية بضغط دولي وإقليمي.
هذا السيناريو يعتمد على:
• نجاح الرباعية أو صيغة مشابهة.
• توافق إقليمي دولي ومحلي على وقف الحرب.
• قبول الأطراف بتسوية جذرية مؤلمة.
لكن المشكلة أن الأطراف المتحاربة ما زالت تعتقد أن بإمكانها تحقيق نصر عسكري، وهذا الوهم يطيل أمد الحرب. فمثلًا تجربة حرب جنوب السودان، استمرت طويلًا لاعتقاد نظام البشير أن بإمكانه تحقيق نصر عسكري، فأعلن الجهاد وتحالف مع إيران وغيرها وفي خاتمة المطاف اقتنع بالتفاوض.
3. تغيير في بنية القيادة العسكرية:
وهنا يأتي السؤال الذي طرحته أولًا هل يمكن أن يشمل الحل ذهاب البرهان أو تغييرًا في كابينة القيادة العسكرية، وأيضا ذهاب حميدتي وأسرته وتغيير في قيادة الدعم؟
هذا الخيار ليس مستبعداً في تاريخ النزاعات. كثير من الحروب انتهت عندما حدث تغيير داخل أحد أطراف الصراع، مثل البرتغال 1974م، تشيلي 1988م، جنوب أفريقيا 1990م بعد فوز دي كليرك ضد الكهل العنصري بوتا وقبول الحزب بالإصلاح والتفاوض مع المؤتمر الوطني برئاسة مانديلا داخل غياهب سجنه في جزيرة روبن، بعد أن مكث لثلاثة عقود. أو على طريقة إبراهام لنكولن في أمريكا أو ديجول في فرنسا.
لكن في السودان، هذا السيناريو يواجه تعقيدات:
• الجيش مؤسسة كبيرة لكنها منهكة وقياداتها من جهات بعينها وعساكرها من جهات أخرى حيث تعاني من انفصام منظومي وفي تراتيبيتها وتسييسها من قبل تنظيم الجبهة الإسلاموية.
• القيادة الحالية ترى نفسها في معركة وجود ولها طموحها في الحكم -كما أسلفت-.
• أي تغيير داخلي يحتاج توافقًا داخل المؤسسة وقياداتها، وليس مجرد قرار فردي، فإذا نجح ضباط وطنيون واقتنعوا بفساد وعدم قدرة القيادة الحالية في الطرفين، فربما يحدث الأمر كحل أو بترتيبات وضغط شعبي محلي ودعم إقليمي دولي بإبعاد قيادات طرفي الحرب.
• التدخلات الخارجية قد تدعم أو تعرقل أي تغيير.
ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو ممكنًا إذا:
• وصلت الحرب إلى مرحلة استنزاف كامل.
• ظهرت كتلة إصلاحية داخل الجيش أو الدعم السريع أو ترتيبات محددة كما أسلفت.
• حدوث ضغط شعبي ومدني منظم.
• توفر دعم إقليمي ودولي وإرادة سودانية لحل سياسي.
التغيير في القيادة لا يعني بالضرورة نهاية الحرب فورًا، لكنه قد يفتح الباب لتسوية جذرية جديدة.
4. بروز قيادة مدنية موحدة.
هذا السيناريو يعتمد على قدرة القوى المدنية على:
• تجاوز الانقسامات.
• تقديم مشروع وطني جامع.
• بناء تحالف واسع يشمل: المجتمع المدني، النقابات، الإدارات الأهلية، وتنظيمات المهجر والمرأة والشباب.
لكن هذا يتطلب وقتًا وتنظيمًا، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
5. تدخل إقليمي مباشر مدعوم دوليًا لفرض وقف إطلاق النار عبر مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي، هذا السيناريو قد يحدث إذا:
• توسعت الحرب إلى دول الجوار.
• أصبحت تهدد الأمن الإقليمي مثلما يحدث مع إثيوبيا الآن وتشاد.
• انهارت الدولة تمامًا.
لكن هذا الخيار يحمل أخطارًا كبيرة، وقد يؤدي إلى تدويل النزاع و"أقلمته" بدلًا من حله.
6. مبادرة وطنية من الداخل:
قد تظهر مبادرة من زعماء قبائل أو شخصيات وطنية مستقلة أو رجال دين وطرق صوفية وقوى شبابية.
فهذه المبادرات قد لا توقف الحرب وحدها، لكنها قد تشكل ضغطًا أخلاقيًاً وسياسيًا.
رابعًا: ما الذي يحتاجه السودان فعلًا؟ هناك ثلاثة شروط أساسية لأيِّ حلٍّ:
1. وقف شامل لإطلاق النار، فبدون وقف الحرب، لا يمكن الحديث عن مساعدات وإعادة إعمار أو عودة النازحين وانتقال سياسي مدني.
2. إعادة بناء الجيش على أسس مهنية، وهذا يشمل:
دمج القوات وإنهاء تعدد الجيوش.
إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية.
3. مشروع وطني جامع:
السودان يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد ودستور اجتماعي متوافق عليه ثم نظام حكم يضمن العدالة والمساواة وتوزيع عادل للسلطة والثروة.
خامساً: هل هناك أمل؟
على الرغم من كلِّ شيء، نعم. تاريخ الشعوب يقول إن الحروب مهما طالت تنتهي، وأن الشعوب التي تملك إرادة الحياة قادرة على النهوض. السودانيون أثبتوا في ثورة ديسمبر وأبريل وأكتوبر أنهم قادرون على التغيير السلمي، وعلى بناء مشروع وطني جامع. لكن هذا يتطلب وجود قيادة جديدة ورؤية واضحة، وتنظيم فعال، ودعم إقليمي، ودولي.
السودان اليوم يتكيء على حافة سيف تقسيم حاد، فإما أن يستمر في حرب بلا نهاية، أو أن يختار طريقًا صعبًا يحتاج لهندسة سياسية اجتماعية اقتصادية وقيادة تخرج من ركام هذه الأزمة لمستقبل ممكن ينحو نحو السلام.
الخيارات ليست سهلة، ولا توجد وصفة جاهزة، لكن ما هو مؤكد أن السودانيين وقواهم السياسية وبمساعدة إقليمية ودولية -حميدة- سيحدِّدون مستقبل بلادهم مهما طال ليل الشمولية المدلهم في اتجاهاتها المزدوجة دعمًا وجيشًا.
السؤال الحقيقي ليس ما هي الخيارات؟ بل هل نحن مستعدون لدفع ثمن السلام كما ندفع اليوم ثمن الحرب؟ أم سوف نتعايش مع الحرب كما فشلنا في التعايش مع السلام وخلق وطن مستقر، فهذا ما تجيب عليه قادمات الليالي السياسية والعسكرية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...