مهدي داوود الخليفة

 

في لحظةٍ تختنق فيها الدولة السودانية تحت وطأة حربٍ داخلية مدمّرة، يتصاعد خطابٌ لا يكتفي بتبرير الكارثة، بل يسعى -بصورةٍ مقلقة- إلى توسيعها. هذا التحوُّل لا يمكن فصله عن نمطٍ سياسيٍّ راسخ لدى التيار المرتبط بالحركة الإسلامية في السودان: حين تضيق مساحات السيطرة داخليًا، يُفتح أفق التصعيد خارجيًا.

هذا التيار، الذي خبر السودانيون تجربته لثلاثة عقود، لم يتعامل مع الأزمات بوصفها تهديدًا ينبغي احتواؤه، بل كفرصٍ لإعادة إنتاج النفوذ. وحين تعجز أدواته الداخلية عن فرض السيطرة، يصبح التصعيد الإقليمي خيارًا مغريًا -ولو على حساب استقرار الإقليم بأكمله-.

اليوم، تتكرّر المؤشرات ذاتُها: خطابٌ يلمِّح إلى "حروبٍ بالوكالة"، ويهيّئ الرأي العام لفكرة أنَّ الخروج من المأزق الداخلي قد يمر عبر توسيع دائرة الصراع. وهنا لا يعود السؤال إن كان ذلك ممكنًا، بل: مَنْ المستفيد من دفع السودان إلى حافة مواجهةٍ إقليمية؟

الجديد ليس في وجود التوترات، بل في محاولة توظيفها سياسيًا. فخطاب "الحرب بالوكالة" الذي يتردد في بعض المنابر لا يقف عند حدود التشخيص، بل يمهّد -بشكلٍ مباشر أو غير مباشر- لتوسيع دائرة الصراع. وفي هذا السياق، تتقاطع هذه السردية مع ما حذَّرت منه تقارير دولية متعدِّدة حول مخاطر "أقلمة" النزاع السوداني.

فقد نبّهت تقارير مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) خلال الفترة 2023م–2025م، إلى أنَّ استمرار الحرب دون تسوية سياسية شاملة يفتح الباب أمام تداخلات إقليمية متزايدة، قد تتطوَّر تدريجيًا إلى صراعٍ أوسع إذا ما جرى استثمارها سياسيًا بدلًا عن احتوائها. كما أشارت إحاطات الأمم المتحدة، وتقارير هيومن رايتس ووتش، إلى أنَّ تعدد الفاعلين الخارجيين في النزاع السوداني يزيد من هشاشته، ويرفع من احتمالات امتداده عبر الحدود.

ضمن هذا الإطار، يصبح الدفع نحو توتير العلاقة بين مصر وإثيوبيا ليس مجرد احتمالٍ نظري، بل أحد أخطر سيناريوهات "العدوى الإقليمية". فهاتان الدولتان تمثلان ثقلًا جيوسياسيًا حاسمًا في حوض النيل والقرن الأفريقي، وأي احتكاك بينهما لن يبقى محصورًا، بل قد يستدعي شبكة تحالفات معقّدة، تمتد إلى قوى إقليمية ودولية فاعلة.

التحليل الاستراتيجي -كما تعكسه تقديرات مراكز مثل: تشاتام هاوس (Chatham House)  ومعهد الدراسات الأمنية  (Institute for Security Studies)-، يشير إلى أن النزاعات في البيئات الهشّة غالبًا ما تُستثمر لإعادة رسم توازنات إقليمية، ليس عبر "مؤامرة مركزية" بالضرورة، بل من خلال تلاقي مصالح أطراف ترى في الفوضى فرصة. وفي هذا السياق، يصبح خطاب التصعيد أداةً قائمة بذاتها، حتى قبل أن يتحوَّل إلى فعلٍ عسكري.

ما يميّز الحالة السودانية أنَّ هذا الخطاب يصدر عن تيارٍ يملك سابقة واضحة في تسييس الصراعات وتدويلها. وهنا، لا يعود الحديث عن تحليلٍ نظري، بل عن نمطٍ سياسي مُجرَّب. فالدفع نحو توسيع الصراع يخدم -في المقام الأول- أولئك الذين يسعون لتحويل الأنظار عن جوهر الأزمة الداخلية: حربٌ بلا أفق، وسلطة بلا مشروع، ودولة تتآكل من أطرافها.

وفي مقابل هذا الخطاب، تكشف قراءة الواقع العسكري عن مفارقة صارخة: السودان، المنهك بجبهات مفتوحة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، يُدفع –خطابيًا- نحو التفكير في جبهةٍ خارجية. هذا التناقض بين الإمكانات والطرح، لا يمكن تفسيره بمنطق الدولة، بل بمنطق البقاء السياسي.

في هذا السياق، تكتسب رؤية الإمام الصادق المهدي بعدًا استراتيجيًا عميقًا. فقد حذّر من أي انزلاق نحو مواجهة مع إثيوبيا، مستندًا إلى قراءة دقيقة للجغرافيا السياسية. فطبيعة إثيوبيا الجبلية تمنحها أفضلية دفاعية واضحة، في مقابل انكشاف العمق السوداني، بما يضمه من منشآت حيوية مثل خزان الروصيرص، وخزان خشم القربة، ومشروعات الجزيرة والرهد.

وقد لخّص الإمام هذا الاختلال بعبارةٍ شعبيةٍ بالغة الدقة:

"إثيوبيا تقابلنا بظهرها ونحن نقابلها ببطننا"، وهي صورة تختزل هشاشة الموقف السوداني في حال الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

ورغم قتامة المشهد، لا يزال باب التهدئة قائمًا إذا توفرت الإرادة السياسية. غير أنَّ هذا المسار يتطلب تحييد خطاب التصعيد لا تغذيته، كما يستدعي دورًا أكثر فاعلية للمؤسسات الإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي، لإعادة تفعيل آليات الوساطة ومنع انزلاق التوترات إلى صراعات مفتوحة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الدور المصري. فالدبلوماسية المصرية، بما راكمته من خبرة تاريخية، تدرك أنَّ الانجرار إلى صراعٍ واسع في هذا التوقيت لن يخدم الاستقرار، بل سيمنح قوى الفوضى مساحة أوسع للمناورة. إنَّ الحفاظ على التوازن الإقليمي اليوم ليس خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية تمس أمن المنطقة بأسرها.

إنَّ ما تسعى إليه بعض دوائر الإسلاميين لا يقتصر على إدارة الصراع، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيله ليصبح صراعًا إقليميًا مفتوحًا، تُستدعى فيه كل التناقضات، في محاولة لإعادة التموضع داخل المشهد. إنها سياسة يمكن توصيفها بـ"الهروب إلى الحريق": حين يعجز الفاعل عن إطفاء النار في الداخل، يسعى إلى إشعالها في الخارج.

غير أنَّ هذه المغامرة بالغة الخطورة، ليس على السودان وحده، بل على الإقليم بأسره.

الخلاصة التي تتقاطع حولها التقارير الدولية والتقديرات الاستراتيجية واضحة: الخطر لا يكمن فقط في وجود النزاع، بل في تحويله إلى منصة لإعادة تشكيل الإقليم عبر التصعيد. وهنا تحديدًا، تتقاطع هذه القراءة مع سلوك التيار الإسلامي السوداني، الذي يبدو -مرة أخرى- مستعدًا للرهان على الحريق.

لكن السودان اليوم بحاجةٍ إلى العكس تمامًا:

إلى تبريد الجبهات لا إشعالها،

إلى إغلاق منافذ الحرب لا فتحها،

إلى سياسةٍ تعيد بناء الدولة بدل المغامرة بما تبقى منها.

فالتاريخ علَّم السودانيين درسًا قاسيًا:

الأوطان لا تُحمى بالشعارات، ولا تُدار بالعنتريات، بل تُنقذ حين ينتصر صوت العقل على ضجيج المغامرة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...