محمد ممدوح شورة
الحديث عن الحوار السياسي في السودان يعني، في جوهره، اعترافاً بأن البلاد وصلت إلى مرحلة لم تعد تُدار بالأدوات القديمة، ولا تُحتمل فيها لغة الغلبة والإقصاء. فالخراب الذي تمدّد على الجغرافيا السودانية، وأعاد تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي بالقوة، فرض واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه بالشعارات ولا بإعادة تدوير ذات المنهج والأسلوب الذي أوصل السودان بكل أسف إلى ما آل اليه الآن.
لكن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل هناك إرادة حقيقية لصناعة حوار سياسي جاد، أم أن بورتسودان تبحث عن مجرد منصة جديدة تمنح المشهد شكلاً أكثر قبولاً دون المساس بجوهر الأزمة؟
الحرب لم هتكت بعجلة الإنتاج السياسي، وأفرزت كذلك ثلاثة أقطاب سياسية واضحة. قطب متحالف مع بورتسودان ويضم الإسلاميين وبعض القوى القادمة من اتفاق جوبا، وقطب مدني مناهض للحرب يبحث عن السلام ودولة مدنية ديمقراطية، وقطب ثالث يتكوّن من مجموعات مدنية وقوى أخرى اختارت الاصطفاف مع نيالا تحت مبررات متعددة. هذا الواقع، مهما اختلفت المواقف حوله، أصبح حقيقة سياسية لا يمكن القفز فوقها أو التعامل معها بعقلية الإنكار.
وأي حوار يُراد له أن ينجح، لا يمكن أن يُبنى على مشهد انتقائي تُختار فيه الأطراف وفق درجة قربها من السلطة أو انسجامها مع الترتيبات المسبقة. فالحوار لا يصبح حواراً لأن مجموعة تنتمي إلى المعسكر ذاته قررت الجلوس مع نفسها تحت لافتة سياسية جديدة، ولا تُصنع الجدية بتعدد المقاعد أو امتلاء القاعات، وإنما بوجود إرادة حقيقية لفتح نقاش وطني شامل يخاطب جذور الأزمة السودانية ويعترف بتعقيداتها كما هي، لا كما ترغب بعض الأطراف في تصويره
القضايا الكبرى التي أنهكت السودانيين لعقود لا تحتاج إلى مزيد من التأجيل أو المساومات السياسية الضيقة. فالعدالة الانتقالية، تفكيك التمكين، الإصلاح المؤسسي، بناء جيش قومي مهني، تأسيس حكم مدني ديمقراطي، وضمان التداول السلمي للسلطة؛ هذه ليست أجندة تخص تياراً سياسياً بعينه، بقدر ما هي شروط لازمة لبناء دولة تستحق البقاء بعد هذا النزيف الطويل.
أما القضايا ذات الحساسية العالية، مثل العلاقة بين الدين والدولة، فهي تحتاج إلى نقاش وطني هادئ ومعمّق، بعيداً عن الاستقطاب الحاد ومحاولات فرض الرؤى بالقوة السياسية أو العسكرية. إذ لا يمكن تحويل أي حوار إلى ساحة لتصفية المعارك الأيديولوجية القديمة بينما البلاد تواجه خطر التفكك.
تهيىةة المناخ للحوار هي المدخل الحقيقي لأي عملية سياسية جادة، إذ تكشف طريقة إدارة البيئة السياسية إن كانت هناك رغبة فعلية في الوصول إلى تسوية وطنية أم مجرد إعادة إنتاج للأزمة. لذلك لا معنى لأي دعوة للحوار في ظل خطاب تعبوي قائم على التخوين والتحريض، واعتقالات تضيق المجال العام، وإقصاء متبادل، ومحاولات لصناعة شرعية أحادية، لأن الحوار لا يمكن أن ينمو داخل بيئة مسمومة بالصراع والاستقطاب أو تُدار بعقلية الغلبة والانتصار الكامل.
أنا أنتمي إلى معسكر القوى المدنية الديمقراطية، وأؤمن أن مستقبل السودان لا يُبنى بالبندقية ولا بالهيمنة، وإنما بعقد سياسي جديد يؤسس لدولة المواطنة والعدالة والمؤسسات. دولة لا يُقصى فيها أحد بسبب رأيه، ولا تُختطف فيها السلطة باسم الدين أو الحرب.
السودان اليوم لا يحتاج إلى ديكور سياسي جديد، وإنما إلى إرادة سياسية حقيقية تعترف بالأزمة كما هي، وتفتح الباب أمام مشروع وطني عادل يوقف هذا الانهيار المستمر، وتمنح السودانيين حق الحياة والعيش والرخاء والمشاركة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...