مهدي داوود الخليفة
إعلان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عن الترتيب لإطلاق "حوار سياسي شامل" يأتي في لحظة شديدة التعقيد من تاريخ السودان، حيث تتداخل الحرب مع الانهيار الاقتصادي والتشظي السياسي والاستقطاب الأيديولوجي الحاد.
لكن السؤال الجوهري ليس هل يحتاج السودان إلى حوار؟ بل: هل تتوفر الشروط السياسية والموضوعية التي تجعل هذا الحوار مدخلًا للسلام والتحول الديمقراطي، أم أنه سيكون مجرد منصة لإعادة ترتيب موازين السلطة داخل معسكر الأمر الواقع؟
هل يستطيع هذا الحوار وقف الحرب؟ من الصعب أن يؤدي أي حوار إلى وقف الحرب إذا غابت عنه الأطراف المدنية الرئيسة، أو إذا تم استبعاد القوى المؤثرة في المشهد السياسي والاجتماعي والعسكري.
فالحرب السودانية -اليوم- ليست مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش والدعم السريع، بل أصبحت أزمة دولة وهُوية وسلطة، وبالتالي فإن أية عملية سياسية لا تشمل: "القوى المدنية الديمقراطية، القوى الاجتماعية والنقابية، ممثلين حقيقيين للمناطق المتأثرة بالحرب، والحركات المسلحة والقوى الرافضة للحرب"، ستتحول إلى حوار جزئي لا يمتلك القدرة على إنتاج سلام شامل.
كما أن خطاب البرهان -نفسه- ما زال يتعامل مع الحرب باعتبارها معركة "تطهير" و"استئصال"، وهو خطاب تعبوي عسكري أكثر منه خطابًا يؤسس لتسوية سياسية تاريخية. لذلك تبدو المفارقة واضحة بين الدعوة للحوار من جهة، والاستمرار في لغة الحسم العسكري من جهة أخرى.
هل يسيطر المؤتمر الوطني والتيار الإسلامي على الحوار؟
هذا السؤال مطروح بقوة في ظل المعطيات الحالية. هناك مؤشرات عديدة تدفع قطاعات واسعة من السودانيين للاعتقاد بأن المؤتمر الوطني والتيار الإسلامي سيكون الفاعل الأكثر وجودًا وتأثيرًا داخل أي حوار يتم تحت سلطة بورتسودان، وذلك للأسباب التالية:
عودة كوادر النظام السابق تدريجياً إلى مؤسسات الدولة والإعلام.
التحالف غير المعلن بين قطاعات داخل المؤسسة العسكرية والإسلاميين منذ اندلاع الحرب.
غياب القوى المدنية وخروج جزء كبير من قياداتها خارج السودان.
استخدام خطاب "السيادة الوطنية" ورفض "الإملاءات الخارجية" بصورة تشبه إلى حدٍّ بعيد خطاب مرحلة ما بعد 2013م.
لكن في المقابل، فإن أية محاولة لتحويل الحوار إلى منصة لإعادة إنتاج نظام الحركة الإسلامية ستواجه عقبات كبيرة تتمثل في: "الرفض الشعبي الواسع لتكرار تجربة حكم عمر البشير، التحفظات الإقليمية والدولية، والأزمة الاقتصادية التي تجعل السودان بحاجة ماسة للاعتراف والدعم الخارجي".
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الحوار إلى نسخة جديدة من "حوار الوثبة"، حيث تُستخدم لغة الحوار لإضفاء شرعية سياسية على واقع قائم دون تغيير حقيقي في بنية السلطة.
ويبقى السؤال ما هو موقف المجتمع الدولي؟ المجتمع الدولي سيتعامل بحذر شديد مع هذا الحوار. فالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ينظرون إلى الأزمة السودانية من زاوية أساسية هي: "وقف الحرب، إيصال المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية انتقال مدني ذات مصداقية".
ولهذا، فإن الاعتراف الدولي بمخرجات الحوار سيعتمد على عدة عوامل:
1. مدى شمولية الحوار:
إذا اقتصر على حلفاء السلطة وبعض القوى القريبة من المؤسسة العسكرية، فلن يحظى باعتراف واسع.
2. وجود إجراءات بناء ثقة:
مثل: "وقف إطلاق النار، إطلاق الحريات، وقف الاعتقالات السياسية، وتهيئة المناخ السياسي".
3. طبيعة مخرجات الحوار:
هل ستقود فعلًا إلى سلطة مدنية؟ أم ستمنح غطاءً سياسيًا لاستمرار الحكم العسكري؟
الإدارة الأمريكية تحديدًا تبدو أكثر ميلًا -حاليًا- إلى مقاربة تقوم على الضغط على معرقلي السلام وتفكيك اقتصاد الحرب، وليس منح شرعية مجانية لأي ترتيبات سياسية لا تعالج جذور الأزمة.
ولهذا، فإن أي حوار لا يرتبط بمسار حقيقي لإنهاء الحرب وإبعاد الاقتصاد العسكري عن السياسة، سيظل محدود التأثير خارجيًا.
ما هي القوى التي قد يسعى البرهان لإشراكها؟
من المرجح أن يركز البرهان على إشراك: "الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش، بعض من رجالات الإدارات الأهلية، بعض الأحزاب التقليدية، شخصيات أكاديمية ومجتمعية، قوى منشقة عن تحالفات الثورة، وبعض التيارات الإسلامية والقومية".
بينما قد يتم استبعاد أو تحجيم: "القوى المدنية المرتبطة بتنسيقية تقدم، وقوى التغيير الجذري والقوى الرافضة للحرب، شخصيات تعتبرها السلطة رافضة للحرب أو قريبة من الدعم السريع، وبعض الفاعلين من الشباب والمرأة ولجان المقاومة".
وهنا تكمن الأزمة الأساسية؛ أن أي حوار يستبعد القوى الأكثر تأثيرًا في الحراك المدني والثوري سيواجه أزمة شرعية حقيقية، حتى لو نجح تنظيميًا وإعلاميًا.
تجربة "حوار الوثبة" في عهد عمر البشير تقدم درسًا مهمًا للغاية.
فالحوار فشل لأنه: لم يكن شاملاً، افتقد الضمانات، ظل خاضعًا لهيمنة السلطة، ولم يؤدِّ إلى تفكيك احتكار القوة والثروة.
واليوم تتكرر كثير من الظروف نفسها: "الحرب مستمرة، الاستقطاب حاد، الثقة منعدمة، والمؤسسة العسكرية لا تزال اللاعب الأساسي".
ولهذا، فإن نجاح أي حوار جديد يتطلب عدم تكرار أخطاء الماضي.
إذا كانت هناك جدية حقيقية، فإن أية عملية سياسية تحتاج إلى التزامات واضحة، أهمها:
وقف خطاب التخوين والشيطنة ضد القوى المدنية والسياسية.
شطب البلاغات والإجراءات ذات الطابع السياسي.
إطلاق الحريات الإعلامية والسياسية.
وقف الحملات التعبوية التي يقودها "المطبلاتية" وحارقو البخور السياسي.
إشراك القوى المدنية الحقيقية لا القوى المصنوعة.
ربط الحوار بوقف إطلاق النار لا باستمرار الحرب.
وجود ضمانات إقليمية ودولية لتنفيذ المخرجات.
الاتفاق على دور المؤسسة العسكرية وحدودها في المرحلة الانتقالية.
السودان لا يحتاج إلى "حوار علاقات عامة"، بل إلى عملية سياسية تاريخية تعترف بحقائق الأزمة السودانية وتعالج جذورها.
فأي حوار يُدار بعقلية الغلبة العسكرية، أو يُستخدم لإعادة تدوير السلطة القديمة، لن يؤدي إلى السلام، بل ربما يضيف طبقة جديدة من الانقسام وفقدان الثقة.
أما الحوار الحقيقي، فهو الذي يجيب أولاً عن أسئلة الحرب: كيف تتوقف؟ ومن يضمن ألا تتكرر؟ وكيف تُبنى دولة لا يحتكرها العسكريون ولا الإسلاميون ولا أمراء الحرب؟ لأن المشكلة في السودان لم تعد فقط أزمة حكم، بل أزمة دولة تبحث عن عقد وطني جديد.




التعليقات (0)
جاري التحميل...