من على الشرفة
طاهر المعتصم
في السودان، لا تبدو الحرب مجرَّد معركة مفتوحة بين طرفين، بل أزمة وطن كامل يبحث عن صورته المفقودة بين ركام المدن وصوت البنادق. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا المشهد القاتم، ثمة إشارات خافتة بدأت تلوح في الأفق، كأن البلاد التي استنزفتها الحرب تحاول أخيراً أن تتذكر الطريق إلى السلام.
على امتداد السنوات الثلاث الماضية، بدا واضحاً أن الرهان على الحسم العسكري لم ينجح في إنتاج نهاية حقيقية للصراع. فكل تقدم ميداني يقابله اتِّساع في دائرة الدمار الإنساني، وكل جولة قتال جديدة تترك السودان أكثر إنهاكًا وتشظيًا، ولهذا لم يعد السؤال المطروح: مَنْ ينتصر؟ بقدر ما أصبح: كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع؟
المفارقة أن المفاوضات التي كان يُفترض أن تكون بديلًا للحرب، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى امتداد لها. فالأطراف المتصارعة تعاملت مع طاولات التفاوض بوصفها أدوات لتحسين المواقع السياسية والعسكرية، لا بوصفها مدخلًا لتسوية تاريخية تنهي المأساة. ولذلك وُلدت مبادرات كثيرة، ثم ماتت سريعًا تحت ضغط الميدان وتعقيدات المصالح الإقليمية والدولية.
لكن، وسط هذا الإنسداد، تتحرّك القوى المدنية السودانية بصورة متزايدة لصياغة رؤية سياسية تحافظ على وحدة السودان وتمنع انزلاقه نحو سيناريوهات التفكك والحروب المفتوحة. وعلى الرغم من التباينات داخل المعسكر المدني، إلا أنّ إدراكًا متناميًا بدأ يتشكّل بأن استمرار الحرب يعني خسارة الجميع، وأن أية تسوية قادمة لا بدَّ أن تؤسس لدولة مدنية وجيش مهني موحد، وسلطة تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية لا من فوهة السلاح.
وفي المقابل، يواجه النظام السابق وتياراته تحديات متصاعدة، سواءً عبر تضييق سياسي وإقليمي، أو من خلال العقوبات والحظر الأمريكي، إلى جانب التحفظات المتزايدة من بعض دول الجوار تجاه أية محاولة لإعادة إنتاج المشهد القديم بصيغ جديدة. وهو ما يعكس تحولات إقليمية ودولية باتت ترى أن العودة إلى ما قبل الحرب لم تعد خيارًا واقعيًا، حتى وإن ظلت بعض القوى تحاول الاستثمار في الفوضى وإطالة أمد الصراع.
السلام في السودان ليس بعيدًا، ولم يعد مستحيلًا. فالحروب الطويلة، مهما بدت عبثية، تصل في لحظة ما إلى نقطة الإنهاك الكبرى، حيث يدرك الجميع أن الخراب لم يعد قابلًا للاحتمال، والسودانيون الذين دفعتهم الحرب إلى المنافي ومعسكرات النزوح وفقدان تفاصيل حياتهم اليومية، لا يبحثون اليوم عن انتصارات خطابية، بل عن وطن يمكن العيش فيه بأقل قدر من الخوف.
وربما تكون هذه، للمرة الأولى منذ زمن طويل، بداية المعنى الحقيقي للسلام.




التعليقات (0)
جاري التحميل...