د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
تقوم التحالفات السياسية -بطبيعتها- على مبدأ البحث عن القواسم المشتركة بين القوى المختلفة، وبخاصة تلك التي تخاطب القضايا الأساسية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه دون قدر من المرونة والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة. فالتوافق السياسي لا يعني التطابق الكامل في الرؤى والمواقف، وإنما القدرة على إدارة الاختلافات بصورة عقلانية تضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الحزبية أو الأيديولوجية الضيقة.
وفي المجتمعات المتعددة والمعقدة مثل السودان، تصبح الحاجة إلى التسويات السياسية أكثر إلحاحًا، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لبناء مشروع وطني جامع يستوعب التنوع ويمنع الانزلاق نحو الإقصاء والصراع. ولذلك، فإن أي تحالف يسعى لمعالجة الأزمة السودانية لا بدَّ أن يُبنى على التوازن بين التمسُّك بالمبادئ الأساسية، وبين المرونة المطلوبة للوصول إلى صيغة مشتركة تحقق الحدَّ الأدنى من التوافق الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول مدنية الدولة أو العلاقة بين الدين والدولة ينبغي أن يُدار بروح البحث عن المضامين الجامعة لا التوقف عند حساسية المصطلحات، خاصة وأن جوهر القضية يتمثل في بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وتحفظ الحقوق والحريات، وتستوعب التنوع السوداني في إطار ديمقراطي عادل.
ويثير تحفظ حزب الأمة على النص المتعلق بالفصل بين الدين والدولة ضمن الاتفاق السياسي الأخير، نقاشًا حول مفهوم "مدنية الدولة"، ومدى ارتباطه بطبيعة الدولة السودانية المنشودة. غير أن هذا النقاش -في جوهره- لا ينبغي أن يُختزل في جدل المصطلحات، بقدر ما يجب أن يتجه نحو معالجة الأسباب التاريخية التي قادت السودان إلى أزماته المتكررة من حروب وانقسامات وعدم استقرار سياسي.
فالسودان -منذ الاستقلال- ظل يواجه أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة الوطنية، وعجز النخب السياسية عن بناء عقد اجتماعي قائم على المساواة في المواطنة والاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والعرقي. وقد أسهم تسييس الدين والهُوية في بعض المراحل في تعميق الانقسامات، وإضعاف فرص بناء دولة يشعر جميع مواطنيها بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات.
ومن هنا، فإن مفهوم الدولة المدنية لا ينبغي فهمه باعتباره موقفًا ضد الدين أو محاولة لإقصائه من المجال العام، وإنما باعتباره إطارًا دستوريًا وسياسيًا يقوم على حياد الدولة تجاه الانتماءات الدينية والثقافية، بحيث تكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات العامة، دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الثقافة أو الجهة.
وفي هذا السياق، فإن المثير للاهتمام، أن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها حزب الأمة نفسه، تعبِّر بصورة واضحة عن جوهر مفهوم الدولة المدنية، حتى وإن اختلفت التحفظات حول بعض الصياغات السياسية أو المصطلحات. فدستور الحزب ينص صراحة على جملة من المبادئ التي تشكل في مضمونها أسس الدولة المدنية الحديثة، ومن بينها:
* الديمقراطية والمؤسسية.
* المواطنة كأساس للحقوق والواجبات.
* كفالة الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين.
* الالتزام بحقوق الإنسان والمواثيق الدولية.
* سيادة حكم القانون والمساءلة والشفافية.
* الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والعرقي وحماية حقوق الأقليات.
* إقامة نظام حكم ديمقراطي لا مركزي قائم على التعددية.
* تحقيق العدالة والتوازن في توزيع السلطة والثروة.
وهي مبادئ لا يمكن عمليًا تجسيدها دون وجود دولة محايدة تجاه الانتماءات الدينية والثقافية، وقائمة على المساواة الكاملة بين المواطنين. كما أن مشروع "العقد الاجتماعي الجديد" الذي طرحه الحزب، أشار بوضوح إلى ضرورة "الفصل بين المساواة في المواطنة والانتماء الديني"، وهو ما يعكس إدراكًا بأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تستقر إذا ارتبطت الحقوق السياسية أو القانونية بالهُوية الدينية.
وعليه، فإن الخلاف الحقيقي لا يتعلق برفض قيم الدولة المدنية بقدر ما يتعلق بالحساسية السياسية المرتبطة بمصطلح "الفصل بين الدين والدولة"، وهو مصطلح كثيرًا ما يُساء فهمه أو تقديمه باعتباره دعوة لإقصاء الدين من المجتمع، بينما المقصود به في السياق الدستوري هو منع احتكار الدولة لصالح هُوية دينية بعينها، وضمان المساواة الكاملة بين المواطنين.
إن الأزمة السودانية -في جوهرها- ليست أزمة دين، وإنما أزمة إدارة للتنوع، وأزمة غياب دولة المواطنة والعدالة. ولذلك، فإن أي مشروع وطني جاد لمعالجة أسباب الحرب والانقسام لا بدَّ أن يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون، واحترام التعدد، والمساواة في المواطنة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة.
فبناء دولة مدنية في السودان لم يعد مجرد خيار فكري أو سياسي، بل أصبح ضرورة تاريخية لحماية وحدة البلاد، وإنهاء دورات الصراع، وبناء مستقبل يستوعب جميع السودانيين دون إقصاء أو تمييز.




التعليقات (0)
جاري التحميل...