"تعليم وتزكية"
الزبير محمد علي
في ظل الأزمات والحروب، تبرز ظواهر اجتماعية قد تكون أخطر من الرصاص نفسه، وعلى رأسها "خطاب الكراهية". هذا الداء الذي يتسلَّل عبر الشاشات ليفتك بالنسيج الاجتماعي، متخذًا من: السخرية، والتخوين، ونشر الشائعات، والاصطفاف القبلي رداءً له. فكيف نظر الإسلام إلى هذه الظاهرة؟ وكيف وضع لها كوابح أخلاقية تحفظ كرامة الإنسان؟
وحدة الأصل والتكريم الإلهي
يؤكد الإسلام -في منطلقاته الأولى- على وحدة الأصل الإنساني؛ فكل الناس من أب واحد وأم واحدة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ). لذا، فإن أي تفاضل يُبنى على اللون أو القبيلة أو الجهة هو هدم لهذا المبدأ القرآني. إن التكريم الإلهي شمل "بني آدم" قاطبة، مما يجعل من الكراهية على أساس العرق أو الجغرافيا خروجًا عن الفطرة السليمة.
نهج الأنبياء في مواجهة الإساءة
لم يكن الأنبياء -عليهم السلام- بمنأى عن خطابات الكراهية؛ فقد وُصفوا بالسحر والجنون والكذب والكهانة، وسخرت منهم أقوامُهم، لكن العبرة كانت في "الرد". لم ينجرف الرسل خلف أخلاق خصومهم، بل ظلوا متمسكين بالحكمة. فهذا نوح عليه السلام يقول: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)، وهذا نبينا محمد ﷺ يمسح الدم عن وجهه في أحد وهو يقول: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
أخلاق القتال وضوابط الخلاف
حتى في ذروة الصراع والقتال، لم يفتح الإسلام الباب للكراهية المطلقة. فالقتال شُرع لرفع الظلم لا للتشفي، والرسول ﷺ نهى عن تمني لقاء العدو ولكن الصبر إذا كان القتال حتميًا، وأمر بالالتزام بأخلاق الفرسان: لا قتل للشيوخ أو النساء أو العُزَّل، ولا إجهازًا على جريح، ولا تمثيل بجثة. فإذا كان هذا هو الأدب مع العدو المحارب، فكيف بأبناء الدين الواحد والوطن والواحد؟
إن خطاب الكراهية ينافي كمال الإيمان، فقد قال ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". إن محاربة هذا الخطاب ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة وطنية ودينية لحماية الوطن من التفكك وصناعة دول ضعيفة يسهل ابتلاع مواردها.
يتبع




التعليقات (0)
جاري التحميل...