كيف نُنقذ نسيجنا الاجتماعي من محرقة وسائل التواصل الاجتماعي؟
تعليم وتزكية
الزبير محمد علي
تحوَّلت وسائل التواصل الاجتماعي -في واقعنا الحالي- إلى ساحات للاغتيال المعنوي والتحريض الاجتماعي. بين إشاعة تزرع الفتنة، وفيديو ينتهك حرمة الموت، وحملة تغتال الخصوم بحق وبغير حق، ضاعت الكثير من قيمنا الإسلامية الأصيلة.
إننا -اليوم- بحاجة ماسة إلى مراجعة جادة لإصلاح خطابنا الرقمي، قبل أن يبتلع ما تبقى من أمننا المجتمعي.
١. منهج القرآن في مواجهة التنمر الرقمي:
قبل أن تضع القوانين الحديثة بنودًا لمكافحة التنمُّر، وضع القرآن الكريم -في سورة الحجرات، الآية 11- قواعد واضحة وحاسمة لحفظ كرامة الإنسان وتماسك المجتمع: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
في زمن أصبحت فيه السخرية والتنابز بالألقاب، مادةً للمحتوى الرقمي والتسلية اليومية، تأتي هذه الآية لتذكرنا بأنَّ كرامة الناس خط أحمر، وأنَّ الاستهانة بمشاعر الآخرين فسوقٌ يخرج بالمرء من صفاء الإيمان إلى عتمة الظلم.
٢. غياب الإنصاف... خروج عن القسط:
إنَّ ما نشهده اليوم من تجريد المخالف من كلِّ فضيلة، وشيطنته، وبخس الناس أشياءهم، وتضخيم الأخطاء الصغيرة، لهو انتهاك صارخ لمبدأ القسط والعدل الذي أمرنا الله تعالى به حتى مع مَنْ نبغض:
قال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ). (المائدة: 8)
٣. فوضى الإشاعات وتزوير الوعي:
نرى اليوم اندفاعاً أعمى خلف كلِّ ما يُنشر، وتصديقه عن جهل أو بغرض تصفية الحسابات السياسية والشخصية. هذا منزلق خطير؛ فكثير من الأخبار اليوم تُطبخ في غُرَفٍ مُوجَّهة لتَقود الرأي العام بسمومها نحو مآرب خبيثة.
ولقد حذَّرنا الله تعالى من هذا تحذيرًا شديدًا، قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا). (الإسراء: ٣٦).
إنَّ السمع والبصر والفؤاد، هي أمانات استودعها الله لدينا لنشهد بها للحق، ونُجسِّد من خلالها القيم، وإنَّ تحويلها إلى أدوات تسهم في نشر السموم، وهتك الأعراض، وضرب النسيج الاجتماعي في مقتل، يعد خيانة لهذه الأمانة.
٤. انتهاك حرمة الموتى وغياب الواعظ:
من أقسى ما وصل إليه الحال، هو الاحتفاء بفيديوهات جثث الموتى ونشرها دون مراعاة لمشاعر ذويهم أو هيبة الموت. أين نحن من قول عمر -رضي الله عنه-: "كفى بالموت واعظًا"؟
أين نحن مِنْ جسد المؤمنين الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟
إنَّ مصيبة الموت تستوجب الاعتبار والاتِّعاظ، لا التشفي الرقمي والبحث عن التفاعل.
٥. الاصطفاف القبلي والجهوي... جاهلية معاصرة:
حين تعلو صرخة القبيلة أو الجهة على صوت الحق والوطن، فنحن نعود تلقائياً إلى مربع الجاهلية الأول. لنتذكر موقف النبي -ﷺ- حين ارتفعت هذه الصيحات بين المهاجرين والأنصار، فقال بحزم: "ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنَّها منتنة".
إنَّ ثقافة البل والجغم والتعصُّب الأعمى التي حلت مكان الحكمة، هي هدم لنهج الإصلاح الذي أثنى الله عليه في كتابه، قال تعالى: (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ). (النساء: 114)
إنَّ إصلاح خطابنا -في وسائل التواصل الاجتماعي- هو الخطوة الأولى لترقية الوعي الوطني.
يجب أن نحذِّر من أن نكون معاول هدم لبلداننا ومجتمعاتنا عبر كلمة طائشة أو مشاركة غير مسؤولة. لنتقِ الله في بلدنا وأهله، ولنجعل من منصاتنا الرقمية منابر للحكمة لا العبث، للإصلاح لا الفساد، للوحدة لا للفرقة، منابر تبني الوطن لا أن تكون -بغفلة أبنائه- وقودًا لمحرقته.




التعليقات (0)
جاري التحميل...