أضابير وهوامش
محمد الأمين عبد النبي
في مساءٍ ازدحمت فيه أطراف الملعب بأصوات الجماهير بعد صافرة النهاية، برز صوت حبيبنا نور الأنبياء عبد الله "تنقا"، وهو يخاطب جمعًا من الناس، منتزعًا الانتباه من صخب اللحظة. وقف ببساطته المعهودة، تحيط به وجوهٌ أنهكها الركض خلف تفاصيل الحياة، فإذا بكلماته تنقلهم من أجواء المباراة إلى رحابة التفكير، ومن الانشغال بالنتيجة إلى مساءلة الواقع.
تكشف تجربة "تنقا" حقيقةً جوهريةً كثيرًا ما تغيب عن التصورات التقليدية لدور المثقف، وهي أن الثقافة لا تبلغ رسالتها حين تبقى حبيسة القاعات الأكاديمية، أو أسيرة الحوارات النخبوية التي تعبِّر عن التمايز الاجتماعي، وإنما تكتسب معناها حين تنزل إلى فضاء الناس، وتصبح جزءاً من أسئلتهم اليومية. فالمثقف لا يُقاس فقط بما يملكه من معرفة، وإنما بقدرته على جعلها قوةً اجتماعيةً تخاطب الإنسان العادي. وفي هذا المعنى، يقدم "تنقا" أنموذجًا للمثقف الذي يدرك أن معركة الوعي تتطلب بناء جسورٍ من الحوار والتفاعل، حيث تكون الكلمة فعلًا تنويريًا يحرِّك التفكير، ويمنح الناس أدواتٍ لفهم أنفسهم ومجتمعاتهم.
ما قدمه "تنقا" تجاوز حدود التثقيف التقليدي إلى ممارسةٍ عمليةٍ تشكل وعي المواطن بذاته وبمحيطه. فمن خلال تبسيط الأفكار وربطها بالواقع، يدفع الفرد إلى الانتقال من حالة الاكتفاء بالفرجة والانتظار إلى حالةٍ من اليقظة والفاعلية، تقوم على التساؤل والتفكير فيما يجري حوله. وهكذا تصبح المعرفة أداةً لتحرير العقل من الاستجابة اللحظية والانجراف وراء الحشد العاطفي. ومن هنا تتجلى قيمة هذا النوع من الخطاب؛ إذ يحوِّل الجمهور إلى قوةٍ واعيةٍ ومشاركةٍ في صناعة واقعٍ أفضل.
في أزمنة الحرب، يتعرَّض المجتمع لاختباراتٍ تمس وعيه وذاكرته ومصيره، وكان المنتظر من المثقفين أن يؤدوا دورًا يتجاوز التوصيف الآني للأحداث أو الاصطفاف، غير أنَّ المشهد انزلق نحو الانحياز وتبرير المواقف، تاركًا المجال أمام خطابات الكراهية، وتطبيع العنف، وعسكرة الحياة. وفي الوقت الذي أصبحت فيه أخبار المعارك الأكثر تداولًا، تراجع دور المثقف بوصفه صانعًا للوعي وحارسًا للذاكرة؛ وهو الدور الذي يفترض أن يسهم في تحصين المجتمع، وربط الناس بقضاياهم وسط واقعٍ مثقلٍ بالألم وعدم اليقين. ونتيجة لذلك، وجد المواطن نفسه في موقع المتلقي للروايات، لا شريكًا في إنتاج المعرفة أو فهم السياقات التي تمكِّنه من قراءة واقعه.
إنَّ المدخل الأكثر رسوخًا لصناعة السلام، لا يبدأ من موائد التفاوض، وإنما من بناء وعيٍّ مجتمعيٍّ يرفض الحرب، ويجرِّم حضورها في الوجدان العام قبل أن يرفض آثارها في الواقع. فحين ينشغل المجتمع بقيم التعايش السلمي، ويعيد بناء روابطه الإنسانية والاجتماعية، يصبح السلام الاجتماعي الأرضية الصلبة التي يُبنى عليها أيُّ سلامٍ سياسيٍ قابلٍ للاستمرار.
ومن هنا، فإن استعادة حركة الوعي تمثل ضرورةً وطنيةً واستراتيجيةً؛ لأنها تنقل المجتمع من موقع المتفرِّج على مسارات الحرب إلى موقع الفاعل في مسارات السلام. حينها يصبح الوعي قوةً، والثقافة تعبئةً، والوحدة الوطنية ترياقًا لمشاريع التقسيم، وترسيخ المدنية أداةً لمواجهة عسكرة الحياة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...