د. عثمان البشري المهدي 

احتفت دُور السينما المصرية، بعرض فيلم (أسد) لمحمد رمضان، وعلقت لافتة "كامل العدد" في الحفلات الصباحية ومنتصف الليل لمختلف دور العرض، ربما مرد هذه الكثافة العددية والاحتفائية لشخصية البطل محمد رمضان (أسد)، والذي ظل متقمِّصًا لشخصية العنف في كلِّ تشخيصاته الدرامية السابقة. فقد عانى لسنوات من هذه النمطية والكسل الفني، ربما ذلك متعمدًا من المنتجين، إلا أنه استطاع أن يبرز وجهًا حقيقيًا لشخصيته التمثيلية القوية في فيلم (أسد)، بين تنويعات القهر والقوة، وتحويل الألم من مجرّد آهات إلى تعابير مرئية صادقة، إضافة للصورة الاحترافية والتي تضارع نظيراتها في أعرق السينمات العالمية. وحقيقة، يستطيع هذا الفيلم التنافس في كلِّ جوائز المسابقات العالمية.

ومن المؤكد أن فيلم (أسد)، استطاع أن يغطي المسافة بين نوعية الفيلم وشباك التذاكر، حيث كان الأكثر "دخلًا" والأكثر "هيافة".

ويحمد لهذا الفيلم مشاركة ثلاثة من الدراميين السودانيين (محمود السراج، إسلام مبارك، إيمان يوسف)، في ظاهرة أصبحت كثيرة التكرار بعد حرب "العبث"، في إشارة ضمنية لاحترافية وجودة الممثل السوداني، وهذا مبحث آخر سنتناوله لاحقًا.

فيلم (أسد)، أثار خلافات حادة وجدلًا بين الخيال الدرامي والسرد التاريخيّ للأحداث، حيث أشارت كثير من الأوساط الثقافية المصرية، إلى أن الفيلم احتوى على كثير من المغالطات التاريخية والتي تعد جرمًا.

ففي التاريخ المضروب للفيلم 1840 للميلاد، لم تكن هنالك ثورات أو هيجان ضد الباشوية والدولة، حيث أشارت -تلك الأوساط- إلى أن عهد الرقيق، انتهى بقرارات سياسية وضغوطات دولية منذ العام 1838 للميلاد، ثم قرارات سعيد باشا في العام 1856م إلى عهد الخديوي إسماعيل.

كذلك انتقدت اقحام خلفية عنصرية وثورات للعبيد في بيئتهم المصرية، خصوصًا ثورة عبد أسود ضد حاكم مصري، رابطين كلّ ذلك بظاهرة (الأفروسنتريك)، والتي تجعل أن أصل الحضارة هي إفريقيا.

هذا يقودنا لنفس ما ظللنا نردده، عن رواية "شوق الدرويش" للروائي السوداني حمور زيادة، والحائزة على جائزة نجيب محفوظ للأدب في العام 2014 للميلاد، كما شاركت في قائمة جوائز البوكر العربية للقصة القصيرة في ذات العام. حيث اعتمدت الرواية في سردها، على التخيل وتأويل التاريخ، حيث انبنت على حكايات منحازة انحيازًا مبدئيًا للسرد التاريخي المحفوظ ضد الثورة المهدية.

جمعت الروايتان (تيمة) الانتقام، حيث أن بخيت منديل المناظر لأسد، نموذج للانتقام من سجانيه، أشار لهذه الحقيقة د. محمد إبراهيم ابو سليم في كتاباته لأقوال من عاصروا أحداث 1884 للميلاد.

ولعل هنالك تشابهًا في تسلسل الأحداث بين رواية شوق الدرويش وفيلم أسد وتقاطعات عديدة.

توظيف التاريخ وتطويعه من قبل وجهة نظر الكاتب ليس بمستغرب، فسرديات التاريخ قابلة للتأويل بما يحقق أهداف الكاتب ورؤيته الفنية. وهذا ليس معيبًا في حدِّ ذاته، ولكن نية الكاتب لتحميل التاريخ والتراث، وإضماره لرؤية أيديولوجية تدعم مذهبه هذا ما يعيب، بالرغم من أن قناعتي التامة أن التاريخ به ما به من أخطاء، فصانعوه بشر وليسوا أنبياء.

تحدثت عن ذلك في ندوة أقيمت -حينها- في مركز دال للنشر بالقاهرة، من أن تتحول الرواية لمرجعية تاريخية، في ظل غياب السرد التاريخي السليم المعافى للأجيال جميعها، والتي هاجرت قاعات الدرس إلى وسائل التواصل الاجتماعي .

مما يؤسف له، أن الكثير من الأوساط الثقافية السودانية والمصرية -على حدٍّ سواء- أخرجت (لسانها) نكاية وشماتة في الثورة المهدية، ولعل نقدهم اليوم لا يخرج من تلك الدائرة.

لذا من المهم استبيان الخيط الرفيع ما بين الرواية والسرد التاريخي، لتجنب غير المحمود.

فالشعوب التي لا تحترم ماضيها لا تحترم حاضرها، فالتاريخ خطوط حمراء لا يجب التعرض لها بسوء.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...