د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 

(1)

مدخل: تعقيدات أسئلة الحرب والسلام في السودان

في لحظات الحروب الكبرى، لا يكون المشهد من الوهلة الأولى بسيطًا، فهناك مَنْ يطالب بوقف النار لإنقاذ ما تبقى من وطن، وهناك مَنْ يرفض هذا النداء نفسه باسم العدالة أو السياسة أو المصلحة أو حتى الألم، وبين هذه وتلك، تتشكَّل منطقة رمادية مربكة تجعل من سؤال السلام أكثر تعقيدًا من سؤال الحرب نفسها.

في الحالة السودانية، تتخذ هذه المفارقة شكلًا أكثر حدَّة، حين نجد أصواتًا خرجت من قلب المأساة، ووصلت إلى فضاءات آمنة في الخارج، لكنها تقف -بصورة أو بأخرى- في مواجهة الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء النزاع. وهنا لا يعود السؤال بسيطًا: هل نحن أمام اختلاف في الرأي حول طريق السلام؟ أم أمام تداخل معقَّد بين الذاكرة، والمصلحة، والانتماء، والخوف من المستقبل؟ هذه الأسئلة تتجسَّد بوضوح في سياق مؤتمر برلين، الذي لم يكن مجرَّد اجتماع دولي تقليدي، بل لحظة كاشفة أعادت ترتيب المشهد: مَنْ يساند إنهاء الحرب فعلًا؟ ومَنْ يضع شروطًا تجعل إنهاءها مستحيلًا؟ ولماذا تتعدَّد الأصوات الرافضة للسلام على الرغم من وحدة الكارثة التي يعيشها السودانيون داخل البلاد وخارجها؟

من هنا تنطلق هذه القراءة، ليس لتبسيط المشهد، بل لتفكيك طبقاته المتداخلة، وفهم كيف يمكن لمأساة واحدة أن تنتج مواقف متناقضة، وكيف يمكن للنجاة من الحرب أن تتحول -بشكل غير متوقع- إلى سبب من أسباب استمرارها.

(2)

مفارقة احتجاجات برلين: حين يعارض الناجون إيقاف الحرب

في مشهد يختزل تعقيدات الأزمة السودانية، برزت في برلين مفارقة لافتة: بعض الذين نجوا من ويلات الحرب، وتمكنوا من الوصول إلى أوروبا طلبًا للأمان، أصبحوا ضمن الأصوات المعارضة لجهود وقف النزاع.

وتتعمق هذه المفارقة حين نعلم أن كثيرًا من أسر هؤلاء لا تزال عالقة داخل السودان أو في معسكرات النزوح، تواجه يوميًا نقص الغذاء والدواء والتعليم والأمان. فبدلًا من أن تتحوَّل تجربة النجاة إلى دافع للانتصار للسلام، شهدت العاصمة الألمانية احتجاجات حاولت التشويش على مؤتمر كان هدفه الأساسي تعزيز الاستجابة الإنسانية وفتح ممرات آمنة للمدنيين وحشد الدعم الدولي للمتضررين.

(3)

القوى السودانية المشاركة: تنوُّع مدني يبحث عن مساحة للسلام

تميّز مؤتمر برلين بمشاركة طيف واسع من القوى السودانية ذات الخلفيات السياسية والمدنية والمهنية المتعددة، وهو ما منح المؤتمر قدرًا من التوازن وأعاد إبراز الحضور المدني في المشهد السوداني بعد أن طغت عليه الاستقطابات العسكرية. فقد ضمَّت المشاركة شخصيات وقوى تنتمي إلى تيارات سياسية مختلفة، إلى جانب ممثلين عن منظمات مجتمع مدني، ومبادرات إنسانية، وتجمعات مهنية وحقوقية، وشخصيات أكاديمية ومستقلة، اجتمع معظمها حول قاسم مشترك يتمثَّل في أولوية وقف الحرب وحماية المدنيين واستعادة المسار السياسي المدني.

وعلى الرغم من التباينات الفكرية والسياسية بين هذه المكونات، فإن أهمية مشاركتها تكمن في أنها عكست إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الحرب يهدد وجود الدولة السودانية نفسها، وأن أية تسوية مستقبلية لن تكون قابلة للاستدامة ما لم تستند إلى قاعدة مدنية واسعة تتجاوز الاصطفافات التقليدية. كما أن هذا التنوع أرسل رسالة مهمة للمجتمع الدولي مفادها أن السودان لا يزال يمتلك قوى مدنية قادرة –بالرغم من الانقسام والظروف القاسية- على إنتاج خطاب سياسي يتجاوز منطق الحرب، ويبحث عن أرضية مشتركة لإنقاذ البلاد من الانهيار الكامل.

(4)

تعدد الدوافع: أربع فئات ترفض المسار نفسه

لفهم هذه الظاهرة، لا يكفي النظر إلى المعارضة باعتبارها موقفًا واحدًا؛ إذ تقف وراءها دوافع متباينة يمكن تصنيفها ضمن أربع فئات رئيسة:

الفئة الأولى، تضم الموالين للنظام السابق أو المرتبطين بخياراته السياسية، والذين ينظرون بعين الريبة إلى أي مسار يعزز دور القوى المدنية أو يعيد تشكيل المشهد السياسي بعيدًا عن نفوذهم التقليدي.

أما الفئة الثانية، فتتكون من المتضررين مباشرة من انتهاكات قوات الدعم السريع، حيث تدفعهم جراح الحرب والرغبة في الإنصاف إلى رفض أية دعوات لوقف القتال قبل تحقيق العدالة أو الحسم الكامل.

وتتمثل الفئة الثالثة، في بعض المنتمين إلى الحركات المسلحة أو المرتبطين ببنى الصراع، ممن تتقاطع مصالحهم السياسية أو الاقتصادية مع استمرار الحرب أو إطالة أمدها.

في حين تضم الفئة الرابعة مجموعات تنخرط في معارضة جهود السلام بدوافع هشة أو نتيجة تضليل إعلامي أو تعبئة عاطفية، وأحيانًا مقابل مكاسب ظرفية، وغالبًا ما تتحرَّك ضمن تأثير الفئات الأخرى.

يتبع

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...