د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
مدخل: تعقيدات أسئلة الحرب والسلام في السودان

في لحظات الحروب الكبرى، لا يكون المشهد من الوهلة الأولى بسيطًا، فهناك مَنْ يطالب بوقف النار لإنقاذ ما تبقى من وطن، وهناك مَنْ يرفض هذا النداء نفسه باسم العدالة أو السياسة أو المصلحة أو حتى الألم، وبين هذه وتلك، تتشكَّل منطقة رمادية مربكة تجعل من سؤال السلام أكثر تعقيدًا من سؤال الحرب نفسها.

في الحالة السودانية، تتخذ هذه المفارقة شكلًا أكثر حدَّة، حين نجد أصواتًا خرجت من قلب المأساة، ووصلت إلى فضاءات آمنة في الخارج، لكنها تقف -بصورة أو بأخرى- في مواجهة الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء النزاع. وهنا لا يعود السؤال بسيطًا: هل نحن أمام اختلاف في الرأي حول طريق السلام؟ أم أمام تداخل معقَّد بين الذاكرة، والمصلحة، والانتماء، والخوف من المستقبل؟ هذه الأسئلة تتجسَّد بوضوح في سياق مؤتمر برلين، الذي لم يكن مجرَّد اجتماع دولي تقليدي، بل لحظة كاشفة أعادت ترتيب المشهد: مَنْ يساند إنهاء الحرب فعلًا؟ ومَنْ يضع شروطًا تجعل إنهاءها مستحيلًا؟ ولماذا تتعدَّد الأصوات الرافضة للسلام على الرغم من وحدة الكارثة التي يعيشها السودانيون داخل البلاد وخارجها؟

 

 

(5)

مخرجات مؤتمر برلين: إعادة تدويل الأزمة وتحريك مسار السلام

شكّل مؤتمر برلين نقطة تحوّل مهمة في التعاطي الدولي مع الأزمة السودانية، إذ لم تقتصر مخرجاته على البعد الإنساني، بل امتدت إلى إعادة تنشيط المسار السياسي ووضع الحرب السودانية –مجددًا- ضمن أولويات الاهتمام الدولي. فقد نجح المؤتمر في حشد تعهدات مالية كبيرة لدعم الاستجابة الإنسانية وتخفيف معاناة النازحين واللاجئين، إلى جانب الدفع نحو توسيع المساعدات وفتح ممرات إنسانية أكثر أمنًا واستدامة. وعلى المستوى السياسي، عزز المؤتمر القناعة الدولية المتزايدة بأن الحل العسكري غير قابل للاستمرار، وأن أية تسوية حقيقية يجب أن تستند إلى عملية سياسية شاملة ذات قاعدة مدنية واسعة. كما أسهم في خلق مساحة للتوافق بين عدد من القوى المدنية السودانية حول مبادئ أساسية، أبرزها وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والحفاظ على مؤسسات الدولة والبنية التحتية، وهو ما منح جهود السلام زخمًا سياسيًا وأخلاقيًا جديدًا. والأهم من ذلك أن المؤتمر أعاد توجيه النقاش الدولي من إدارة تداعيات الحرب إلى البحث الجاد عن سبل إنهائها، بما يعكس تحولًا تدريجيًا من مقاربة الاحتواء الإنساني إلى مقاربة الحل السياسي الشامل.

(6)

مخرجات برلين كشفت هشاشة معارضة السلام

تكمن أهمية مؤتمر برلين ليس فقط فيما حققه من نتائج، بل أيضًا في كونه وضع الأطراف المعارضة لوقف الحرب أمام اختبار سياسي وأخلاقي حقيقي.

فالفئة ذات الارتباطات السياسية، تجد نفسها أمام مسار دولي يتَّجه بصورة متزايدة نحو دعم القوى المدنية وتقليص فرص إعادة إنتاج الهيمنة القديمة.

أما الفئة المتأثرة بفظائع الحرب، فإنَّ وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين يظلان شرطين ضروريين لمنع اتساع دائرة المأساة، حتى وإن لم تتحقق العدالة الكاملة بصورة فورية.

وفي ما يتعلق بالحركات المسلحة أو المستفيدين من اقتصاد الحرب، فإن تصاعد الضغوط الدولية وتبلور مسارات سياسية بديلة يضيِّق تدريجيًا مساحة المناورة أمام استمرار الصراع كخيار قابل للاستدامة.

أما الفئات ذات الدوافع الهشة أو المدفوعة، فتتراجع مبرراتُها كلما اتَّضحت الحقائق الإنسانية على الأرض، واتَّسع الإجماع الدولي حول أولوية إنهاء الحرب.

وبذلك، فإن التقاء تنوع المشاركين مع طبيعة الأهداف وحجم المخرجات، يجعل من الصعب تبرير معارضة المؤتمر بوصفها موقفًا وطنيًا أو أخلاقيًا، لأن الوقائع نفسها تشير إلى أن جوهر المؤتمر كان السعي لوقف النزيف، لا إعادة إنتاج الصراع. كما أن هذا التلاقي بين المدخلات والمخرجات يفضح بوضوح خطل مواقف الفئات الأربع، إذ يظهر أن الاعتراض لم يكن على تفاصيل فنية أو سياسية، بل على أصل فكرة إنهاء الحرب ذاتها، وهو ما يضع تلك المواقف في مواجهة مباشرة مع الإرادة الإنسانية والدولية المتَّجهة نحو السلام.

(7)

خاتمة: لحظة وضوح تاريخي

في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: لم تعد الحرب في السودان سوى آلية مفتوحة لإعادة إنتاج المعاناة والانهيار.

ومع تنامي الإرادة الدولية، وتصاعد حضور القوى المدنية، وتزايد الكُلفة الإنسانية، لم يعد النقاش الحقيقي يدور حول إمكانية وقف الحرب، بل حول أسباب استمرار بعض الأطراف في مقاومة السلام ذاته.

إنَّ تعدد الدوافع لم يعد يمنح الشرعية لاستمرار الصراع، بل بات يشكل عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا على أصحابه، لأن وحدة المأساة تفرض موقفًا واضحًا لا يحتمل المواربة: الانحياز للحياة، لا لاستدامة الحرب.

فكل يوم يتأخر فيه السلام يعني مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من الانهيار، ومزيدًا من الفرص الضائعة لإنقاذ وطن يتآكل تحت وطأة السلاح. ولهذا، فإن اللحظة الراهنة ليست لحظة اصطفاف خلف الحسابات الضيقة أو رهانات القوة، بل لحظة اختبار تاريخي حاسم: إما أن نكون جزءاً من إنهاء الحرب، أو جزءاً من استمرارها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...