د. عبد الحليم تيمان
لم تعد الأزمة السودانية مجرَّد حالة طوارئ إنسانية عابرة يمكن التعامل معها عبر المساعدات الإسعافية التقليدية، بل تحوَّلت إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، بما تفرضه من تحديات تتجاوز الإغاثة العاجلة نحو ضرورة بناء مسار متكامل للتعافي المبكّر واستعادة الخدمات وخارطة الإنتاج وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، أصبح ملايين السودانيين بين نازح ولاجئ وفاقدٍ لمصدر دخله وخدماته الأساسية، بينما تضرَّرت البنية التحتية، وتراجعت مؤسسات الدولة، وانهارت قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والإنتاج الزراعي، وصار السودان مقسَّمًا بجزر معزولة تمنع النقل والتبادل التجاري بين ولاياته. وتشير تقديرات دولية إلى أنَّ نحو نصف سكان السودان باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. كما أدى انعدام الأمن ونزوح العمالة والخوف من القتل أو الاعتقال في مناطق الإنتاج، إلى تراجع المساحات المزروعة بنسبة تتجاوز 70%.
وفي هذا السياق، برزت جهود المبادرة الرباعية ومبادرة الاتحاد الإفريقي الخاصة بالسودان بوصفها محاولة لتنسيق الجهود الدولية والإقليمية تجاه الأزمة، عبر الدفع نحو وقف إطلاق النار، وتوحيد مسارات الوساطة، وتهيئة بيئة تسمح بانتقال السودان من الحرب إلى الاستقرار. أهمية هذه الجهود لا تكمن فقط في بعدها السياسي، بل في إدراكها أنَّ العمل الإنساني لا يمكن أن ينجح بصورة كاملة في ظلِّ استمرار العمليات العسكرية وغياب الاستقرار الأمني. فالاستجابة الإنسانية الفعَّالة تحتاج إلى ممرات آمنة، وضمانات لحماية المدنيين، وبيئة تسمح للمنظمات الإنسانية بالوصول إلى المتضررين بانتظار نضوج ظروف الحل السياسي الشامل.
وقد مثَّل مؤتمر باريس الإنساني بشأن السودان ودول الجوار، المنعقد في 15 أبريل 2024م، محطةً مهمة في هذا الاتّجاه، حين أعاد لفت انتباه المجتمع الدولي إلى خطورة الأزمة السودانية، وسعى إلى حشد الموارد السياسية والإنسانية لدعم المدنيين المتضررين. المؤتمر، الذي نظمته فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، دعا إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ودعم جهود السلام، كما نجح في حشد تعهدات مالية تجاوزت ملياري يورو لدعم الاستجابة الإنسانية.
وفي إطار ذلك، يجب التذكير بأن السودان يمتلك مقومات اقتصادية وبشرية تؤهله للانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى مرحلة التعافي الإنتاجي إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم الدولي المنظم. فالقطاع الزراعي، والثروة الحيوانية، والموارد الطبيعية، يمكن أن تتحوَّل إلى أدوات لاستعادة الاقتصاد وخلق فرص العمل وتقليل الاعتماد على الإغاثة.
وفي ضوء ما سبق، يمكن تحويل هذه المسارات من أدوات إغاثية إلى أدوات إنتاجية عبر الخطوات التالية:
1- تأمين المسارات بضمانات دولية واتفاقات محلية لتوفير البذور، الأسمدة، والوقود الزراعي إلى مناطق الإنتاج. إنَّ كُلفة زراعة فدان واحد أقل بكثير من كُلفة إطعام أسرة لمدة عام عبر الإغاثة.
2- إنجاز اتفاقيات تسمح بعودة شاحنات المساعدات محملة بالمحاصيل الزراعية (كالصمغ العربي، الفول، أو الحبوب) نحو مناطق التصدير أو الاستهلاك. هذا يضمن للمزارع "سوقًا" وينشّط حركة التجارة، مما يقلل من حاجة الناس للإغاثة أصلًا.
3- توقيع بروتوكولات تضمن فتح مسارات تجارية آمنة بين القرى والمراكز الحضرية وبين الولايات لضمان وصول المنتجين للأسواق دون التعرُّض للجبايات والنهب والاعتقال.
4- دعم "الاقتصاديات المحلية"، فبدلًا من استيراد الغذاء من الخارج، يجب على المنظمات الدولية الشراء من المنتج المحلي. هذا يخلق دورة اقتصادية داخلية تمنع انهيار أسعار المحاصيل المحلية وتدعم بقاء المزارع في أرضه.
5- استعادة النظام التعليمي المتعطِّل، عبر دعم خطة عاجلة لإعادة تأهيل المدارس وتوظيف التعليم الرقمي والبث التعليمي عبر الوسائط، كما يمكن إنشاء نظام طارئ لعقد امتحانات الشهادة المتوسطة والثانوية في المناطق التي يصعب الوصول إليها داخليًا وفي دول اللجوء بالتنسيق مع الشركاء الدوليين باستخدام منصات إلكترونية خاضعة للرقابة لضمان عدم حرمان الطلاب بسبب النزوح أو صعوبة الوصول.
6- إعادة تأهيل المستشفيات وتقديم الخدمات الصحية الأساسية واستعادة الحدِّ الأدنى من الحياة الطبيعية.
7- تأسيس شبكة محطات تنقية مياه شمسية مجتمعية لضمان الوصول المستدام إلى مياه شرب نظيفة.
8- دعم الصناعات التحويلية الصغيرة والحرفيين وأصحاب المهن الهامشية والعمال في الولايات الطرفية وفي العاصمة وتمكينهم من استعادة أنشطتهم.
ولذلك، فإن أيَّة رؤية واقعية للاستجابة الإنسانية، يجب أن تتجاوز منطق الإغاثة الموسمية إلى الاستثمار في التعافي، ومساعدة النازحين داخلياً في السودان واللاجئين من العودة الكريمة والآمنة إلى مناطقهم الأصلية.
إنَّ التحدي الأكبر أمام السودان ليس في كيفية إدارة الأزمة الإنسانية فحسب، بل في كيفية تحويل هذه الحرب اللعينة إلى فرصة لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس أكثر عدالة واستقرارًا. ومن هنا، فإنَّ نجاح المبادرات الدولية، وفي مقدمتها المبادرة الرباعية، سيقاس ليس فقط بقدرتها على وقف الحرب، وإنما -أيضًا- بقدرتها على دعم انتقال السودان من الطوارئ إلى التعافي، ومن الإغاثة إلى الاستقرار، ومن الانهيار إلى الأمل.




التعليقات (0)
جاري التحميل...