بقلم: عاطف عبدالله
يقول القائد العسكري والفيلسوف الصيني القديم سون تزو، في كتابه الشهير فن الحرب:
"إذا كنت تعرف نفسك وتعرف عدوك، فلا تخشَ من نتائج مئة معركة."
ولعل واحدة من أهم الحقائق التي أكدها سون تزو أن الهزيمة لا تبدأ من ضعف القوة بقدر ما تبدأ من الخطأ في تعريف الخصم. فالشعوب والقوى السياسية قد تمتلك الشجاعة والتضحيات والقدرة على المقاومة، لكنها تفقد بوصلتها حين تختلط عليها الأولويات ويتحول الخصم الثانوي إلى عدو رئيسي، بينما يواصل العدو الحقيقي التمدد وإعادة تنظيم صفوفه بعيداً عن الأنظار.
هذا الدرس لا ينطبق على الحروب العسكرية فحسب، بل على الصراعات السياسية والثورات الشعبية أيضاً. فالثورات تنتصر حين تحدد أهدافها بدقة، وتتعثر حين تتوزع طاقتها على معارك جانبية تستهلك جهدها وتبدد وحدتها.
انتصرت الثورة في بداياتها لأنها كانت محددة الهدف، وواجهت العدو بوحدة الشارع ووحدة القوى الحية من أحزاب سياسية ومهنيين ولجان مقاومة. لم يكن الجيش ولا الدعم السريع وقتها موضع الاستعداء لدى الثوار، بل كانت هناك محاولات لاحتواء المؤسسة العسكرية بشقيها وكسبها إلى جانب مشروع الانتقال المدني.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التجربة السودانية منذ اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة. فالسؤال الذي ظل مطروحاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ليس كيف انتصرت الثورة في أيامها الأولى، وإنما كيف فقدت بوصلتها لاحقاً؟ وكيف انتقل السودان من لحظة الإجماع الشعبي ضد الاستبداد إلى حالة الانقسام والحرب التي يعيشها اليوم؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تبدأ من سؤال واحد: من هو العدو؟
الخصم الحقيقي: تنظيم الإخوان المسلمين
لقد أدرك الدكتور مرتضى الغالي، بفطنته السياسية ووضوح رؤيته، طبيعة هذا الصراع مبكراً، فظل يوجّه سهام قلمه نحو ذلك الهدف دون أن يحيد عنه، مدركاً أن معركة السودانيين الأساسية ليست مع بعضهم البعض، وإنما مع المشروع الذي صادر الدولة وحوّلها إلى أداة لخدمة التنظيم.
ولعل من أكثر الشواهد دلالة على طبيعة هذا المشروع ما صدر عن بعض قياداته من فتاوى بقتل ثلثي الشعب، وتصريحات تجاه جريمة فض اعتصام القيادة العامة، وهي الجريمة التي شكّلت لحظة فاصلة في تاريخ السودان الحديث. فقد وصل الأمر بأحد قادته إلى القول إن فض الاعتصام لو تم بطريقة مختلفة عمّا تم بها لشكّ في وجود الله. وهي عبارة لا تكشف فقط عن موقف سياسي، بل تعكس ذهنية ترى في العنف وسفك الدماء وسيلة مشروعة لحماية المشروع السياسي، مهما بلغت الكلفة الإنسانية والأخلاقية.
إن إعادة التموضع اليوم أصبحت ضرورة وطنية وسياسية لا تحتمل التأجيل. فالمعركة الحقيقية ليست بين مكونات الثورة المدنية، وليست مع الجماهير التي خرجت تطالب بالحرية والسلام والعدالة.
الخصم الحقيقي للشعب السوداني هو تنظيم الإخوان المسلمين بوصفه حاملاً لمشروع استبدادي عابر للحدود، لا يزال ينظر إلى السودان باعتباره ساحة نفوذ وأداة للتمكين السياسي والاقتصادي، لا وطناً يتسع لجميع أبنائه.
غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين هذا التنظيم ومجمل التيار الإسلامي. فليس كل من انتمى إلى الحركة الإسلامية أو حمل مرجعية إسلامية شريكاً في الجرائم أو مسؤولاً عن التجربة التي قادت البلاد إلى هذا المصير. لذلك ينبغي استثناء كل من لم تتلطخ يداه بدماء السودانيين، ولم يشارك في الفساد أو التمكين، وأعلن نقده لتجربة الإنقاذ، والتزم بمبادئ التحول المدني الديمقراطي، وضرورة تفكيك دولة التمكين، ورفض هيمنة التنظيم على الدولة والمجتمع.
إن المعركة ليست مع الأفراد بسبب انتماءاتهم الفكرية أو الدينية، وإنما مع المشروع السياسي الذي صادر الدولة واختطف مؤسساتها ووظفها لخدمة التنظيم على حساب الوطن. وبقاء هذا المشروع، بصرف النظر عن الأسماء والواجهات التي يتخفى خلفها، سيظل تهديداً مباشراً لفرص الاستقرار والتحول الديمقراطي، لأنه يقدّم بقاء التنظيم على بقاء الدولة، ومصالحه الخاصة على المصلحة الوطنية، ويرى في السيطرة والاحتكار غاية تتقدم على قيم الشراكة الوطنية والتداول السلمي للسلطة.
لقد نجح هذا التنظيم، إلى حد بعيد، في إشغال القوى المدنية بنفسها، ودفعها إلى معارك جانبية استنزفت طاقتها وأضعفت قدرتها على مواجهة التحدي الرئيسي. ولذلك فإن أول خطوة نحو استعادة المبادرة هي إعادة تعريف الأولويات، والتمييز بين الخلافات التي يمكن إدارتها داخل المعسكر الديمقراطي، وبين التناقض الرئيسي مع مشروع الاستبداد والحرب.
لكن تنظيم الإخوان المسلمين - بما يمتلكه من نفوذ أمني وشبكات مصالح اقتصادية وخبرة طويلة في الاختراق والعمل السري - استطاع أن يتسلل إلى المساحات الأكثر حيوية داخل الثورة. خاصة لجان المقاومة، التي كانت في الوقت نفسه الحلقة الأقوى بحضورها الشعبي، والأضعف بسبب حداثة تجربتها السياسية والتنظيمية.
واستطاع التنظيم، بدهاء سياسي وإعلامي، تحويل شعارات الثورة تدريجياً من "حرية، سلام، وعدالة" إلى مواجهة مباشرة بين الجيش والقوى المدنية تحت شعار "العسكر للثكنات والجنجويد ينحل" و"مدنيااااو"، هذا عدا أن الصراع داخل معسكر الثورة نفسه صار أكثر حدة من الصراع مع القوى التي صنعت الاستبداد والحرب.
وهنا وقعت قوى التغيير في أخطر أخطائها الاستراتيجية: فقدت القدرة على تحديد العدو الرئيسي، وتحوّل التناقض الثانوي إلى التناقض الأساسي، بينما تمدد التنظيم داخل مؤسسات الدولة والإعلام والاقتصاد والأجهزة الأمنية، مستفيداً من حالة الانقسام والتشظي وسط القوى المدنية.
تم تصوير الأحزاب السياسية وكأنها العدو الأول، وأنها تسعى لاختطاف الثورة أو وأدها، وكلمة "قحت أو قحاته" إلى سبة وتهمة، بينما كان التنظيم يعيد ترتيب صفوفه بهدوء. كما جرى اختراق تجمع المهنيين، وإضعاف الأحزاب السياسية من الداخل - اختراق قديم ومتراكم طال قوى اليسار والوسط واليمين على حد سواء.
لماذا نجح الاختراق؟
لا يكفي أن نُلقي اللوم على "العدو" وحده. علينا أن نسأل: لماذا سهُل الاختراق؟
أولاً: الجهل بالاقتصاد السياسي للتنظيم. الإخوان المسلمون لم يعتمدوا على الشعارات السياسية أو المتاجرة بالدين فحسب، بل على شبكات مصالح عميقة: شركات استثمارية تابعة للأجهزة الأمنية، سيطرة على تجارة الذهب والعقارات، تمويل من دول إقليمية تبحث عن نفوذ. لجان المقاومة التي لم تدرك هذه البنية الاقتصادية ظنت أن إسقاط الرأس يكفي، بينما الجسد بقي حياً.
ثانياً: غياب التجربة التنظيمية. القوى المدنية خرجت من عقود من القمع، فكانت هشة التنظيم وسهلة الاختراق. الأحزاب السياسية التقليدية فقدت قاعدتها الشعبية، واللجان الجديدة لم تبنِ بعد آليات للتمحيص والمساءلة الداخلية.
ثالثاً: التدخلات الإقليمية. دول الجوار والقوى الإقليمية - بعضها داعم للتنظيم وبعضها متقلب - وجدت في الفوضى السودانية فرصة للنفوذ. التنظيم استغل هذه التدخلات ببراعة، بينما انشغلت القوى المدنية بالخلافات الداخلية.
رابعاً: غياب المشروع الوطني الموحد. فقد توحدت قوى الثورة حول إسقاط النظام، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء رؤية مشتركة لإدارة مرحلة ما بعد السقوط، الأمر الذي فتح الباب أمام الانقسامات والتنافس وأتاح للقوى المنظمة والأكثر خبرة فرصة العودة إلى المشهد.
كيف يُهزم التنظيم؟
إن الانتصار على هذا التنظيم لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وحدها، كما لا يكفي الاعتماد على أدوات النضال السلمي بمعزل عن مشروع سياسي وتنظيمي قادر على حماية مكتسبات التغيير ومنع إعادة إنتاج الاستبداد. الانتصار يمر بمرحلتين متلازمتين:
المرحلة الأولى: كسر البندقية وتجريد التنظيم من العنف
لا يمكن هزيمة الإخوان المسلمين سياسياً ما داموا يمتلكون أدوات العنف أو النفوذ داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. فالتنظيم لم يُهزم في ثورة ديسمبر لأنه احتفظ بقدرته على إعادة إنتاج القوة عبر شبكاته وأذرعه المختلفة.
لذلك لا بد من إخضاع السلاح لسلطة الدولة المدنية الديمقراطية وحدها، بحيث لا تكون هناك أي قوة مسلحة أو مراكز نفوذ خارج إطار القانون والمؤسسات الدستورية.
المرحلة الثانية: تفكيك التمكين الاقتصادي
بعد كسر البندقية تأتي مهمة تفكيك البنية الاقتصادية التي شكّلت مصدر قوة التنظيم لعقود طويلة.
ويشمل ذلك استرداد الأموال العامة المنهوبة، ومراجعة شبكات الشركات والاستثمارات التي نشأت في ظل التمكين، وإخضاع كل من تورط في الفساد للمساءلة القانونية العادلة والشفافة، بعيداً عن الانتقام أو التشفّي.
من يبني الوطن؟
إن هزيمة المشروع الاستبدادي ليست نهاية المطاف، بل هي الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل. فالانتصار الحقيقي لا يكتمل بمجرد إقصاء تنظيمٍ من السلطة أو تفكيك ركائزه الاقتصادية والأمنية، وإنما يتجسد في القدرة على بناء البديل الوطني المؤهل لملء الفراغ السياسي والسيادي. وهذا الاستحقاق يفرض على القوى المدنية إجراء مراجعة شجاعة ومكاشفة ذاتية لتجربتها، لاستعادة روح العمل الجماعي والزخم الثوري الذي ميز الأيام الأولى لثورة ديسمبر المجيدة.
ولتحقيق هذا العلاج الهيكلي، تبرز حاجة ملحة إلى:
• عقد المؤتمرات القاعدية وتفعيل قنوات الحوار الديمقراطي المفتوح.
• تجديد القيادات وضخ دماء شابة وجديدة في شرايين الأحزاب والتنظيمات المدنية.
فالأحزاب التي تنادي بالديمقراطية وتناضل من أجلها، مُطالبة بالدرجة الأولى بممارستها وتطبيقها داخل أروقتها الخاصة، وتجاوز عقلية الوصاية السياسية التي تكبّل تطورها منذ عقود. إن بناء السودان الجديد لن يكون حكراً على تنظيمٍ بعينه، أو حزبٍ بمفرده، أو جيلٍ واحد، بل هو مشروع وطني جامع تتكامل فيه جهود كافة القوى المؤمنة بقيم الحرية، والسلام، والعدالة.
إن فرز الخصوم وتحديد العدو ليس دعوةً لتغذية مرارات الكراهية، بل هو شرط استراتيجي لتأسيس وعي سياسي سليم. فالأمم التي تضل طريقها في تعريف خصمها الحقيقي تتبدد طاقاتها في معارك جانبية مفتعلة، بينما الأمم التي تمتلك الوعي لتحديد تناقضها الرئيسي بدقة، تكون الأكثر قدرة على صون وحدتها وتحصين مستقبلها.
في الختام، الأوطان لا تُشيّد بالأحقاد، ولا تُدار بالعقائد الأيديولوجية المغلقة، ولا تُحمى بقوة السلاح منفردة؛ بل تُبنى بالحرية، والعدالة، وسيادة القانون، والتوافق الوطني العريض. وحين تتوفر للشعوب البصيرة لمعرفة عدوها الحقيقي، وتتحمل في الوقت ذاته مسؤوليتها التاريخية في بناء البديل، تصبح قاب قوسين أو أدنى من النصر مهما طال الدرب، وتغدو أكثر قرباً من استعادة وطنٍ طالما حلمت به الأجيال: وطناً ديمقراطياً، آمناً، ويتسع للجميع.




التعليقات (0)
جاري التحميل...