صالح حامد
اتسم التصريح الصحفي الصادر عن حزب الأمة القومي مؤخراً بشأن إعلان المبادئ السوداني في نيروبي بالقوة والوضوح والاتزان؛ إذ نجح في تحقيق معادلة دقيقة تقوم على عدم التفريط بمبادئ الحزب على المستوى المؤسسي الداخلي أمام قواعده الجماهيرية، بالتوازي مع تأكيد التزامه الأخلاقي والفكري والسياسي والمجتمعي في الفضاء الخارجي. وقد جاء هذا الالتزام تجسيداً لمبادئ العمل الجماعي الراسخة في مسيرة الحزب، والهادفة إلى المحافظة على وحدة الوطن وسيادته وسلامة أراضيه، وحماية شعبه ومصالحه العليا، مستنداً في ذلك إلى مبادئ النهج القومي، والديمقراطية التوافقية، والسلوك السياسي المتزن.
يمتلك حزب الأمة القومي أدباً فكرياً واجتهاداً ثرياً ومشهوداً في قضايا الدين والدولة، طرحه بوضوح وتجرد، ومن دون شطط، أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. وفي إطار سعيه الدؤوب لتأسيس الدولة المدنية وفق مواثيق العمل الجماعي، توافق الحزب على عدد من الصيغ المقبولة التي تنظم العلاقة بين الدين والدولة. ومن هنا، جاء النص الوارد في “ميثاق قوى إعلان المبادئ السوداني” مجافياً لتلك الصيغ الفكرية والسياسية، وصادماً للتوافقات التي مثلت أرضية وطنية ومجتمعية عريضة.
إن إعمال مبدأ التحفظ على المواثيق في إطار العمل الجماعي — من دون إلحاق ضرر بالأهداف الوطنية الاستراتيجية — يُعد عرفاً سياسياً متوافقاً عليه، ومعمولاً به بوصفه أداة حضارية على مستوى المواثيق الدولية والقوانين والأنظمة. ويحق للحزب ممارسة هذا الحق في أي مرحلة من مراحل العمل الجماعي، سواء أكان ذلك شفهياً، أم في مضابط الاجتماعات، أم في صلب المواثيق المعلنة. وتكمن الأهمية القصوى هنا في إعلان هذا التحفظ للرأي العام المعني عبر إجراء كاشف وشفاف، وهو ما انتهجه البيان الصحفي وصححه بصورة واضحة.
ورغم أن لحزب الأمة القومي اجتهاداً ثرياً وغير مسبوق في قضايا الدين والدولة والعلمانية، فإنه ربط الفصل في هذه القضايا المصيرية بآليات التوافق الوطني وحضور الإرادة الشعبية الحرة. وتؤكد المواقف التاريخية للحزب هذه الرؤية، اتساقاً مع الصيغ والنصوص الواردة في ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية لعام 1995، والاتفاق الإطاري، والإعلان السياسي، والصيغة المتوافق عليها في مقترح وثيقة الدستور الانتقالي لقوى الاتفاق الإطاري، وحتى الصيغة التي تبنتها اتفاقية السلام الشامل والدستور الانتقالي لعام 2005.
وبناءً على ذلك، لا يمكن لأي حلف أو حزب — بما في ذلك حزب الأمة القومي وتحالفاته — فرض رؤيته أو مشروعه على الشعب، صاحب السيادة، إلا عبر آليات ديمقراطية حرة ونزيهة، ومن خلال ممثلين شرعيين منتخبين، واستفتاء شعبي شفاف يستوفي جميع الشروط الإجرائية والموضوعية.
ومن جهة أخرى، تبرز أهمية النأي عن الانزلاق إلى لغة التخوين، أو تبخيس التقديرات السياسية المتباينة لا سيما بين تحالفى تأسيس وصمود، وبالعودة إلى الوثائق المرجعية، فإن هذين التحالفين انبثقا أساساً من وثائق قوى الحرية والتغيير وتنسيقية القوى المدنية الديمقراطية “تقدم”، والمتمثلة في مبادئ الاتفاق الإطاري، والإعلان السياسي، ووثائق قضايا الاتفاق النهائي الست، والدستور الانتقالي.
وعندما انقسمت “تقدم” إلى تحالفي “صمود” و”تأسيس”، بنى كل كيان منهما أدبياته الفكرية والسياسية على ذات الوثائق المرجعية المشار إليها، إلا أن تحالف تأسيس أضاف ثلاثة مرتكزات رئيسية، هي: المبادئ فوق الدستورية، وعلمانية الدولة، ومبدأ حق تقرير المصير، وهي مرتكزات تمثل المانيفستو السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو. في المقابل، تمسك تحالف صمود بمدنية الدولة القائمة على المواطنة المتساوية، الإ ان ميثاق قوى إعلان المبادئ السوداني نص على بند فصل الدين عن الدولة، المستمد من مانيفستو حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور.
إن حزب الأمة القومي، من خلال بيانه الصحفي بشأن تأييده إعلان المبادئ السوداني وتحفظه على نقطة فصل الدين عن الدولة، يرسخ أدباً سياسياً يوفق بين مرجعيته الفكرية وحرصه على التحالفات والعمل المشترك.




التعليقات (0)
جاري التحميل...