عامر علي الحاج
مدخل
هناك اتفاقٌ عام في السودان اليوم على ملامح مؤسسة الاجتماع السياسي المنشودة، وهي مؤسسة الدولة الوطنية الحديثة بوصفها الإطار الجامع لإدارة الاختلاف وتنظيم المصالح. ويبدأ هذا الاتفاق من واجب احتكار السلاح لمؤسسة الجيش، وخضوع الجيش وسائر مؤسسات استخدام العنف المشروع لسيادة الدولة، والدولة هنا بمعنى سيادة سلطة الشعب على الأرض وجهاز الدولة معًا. ويمتد ذلك إلى استقلال القضاء، والحكم اللامركزي، وإصلاح فلسفة بناء الخدمة المدنية والعسكرية على أسس المهنية والكفاءة والحياد. ولا يكتمل هذا المسار دون تقديم أولوية واضحة لقضايا التنمية: البنية التحتية، والزراعة، والصناعة، والثروة الحيوانية، والتعليم، والصحة، والتكنولوجيا. عندها فقط تتراجع أسئلة الانتماء القبلي والجهوي والحزبي، لأنها أسئلة سابقة على إنجاز الاجتماع السياسي الحديث، أو أسئلة لاحقة له تتعلق بجدل الوسائل لا الخلاف حول الغايات.
النص
في هذا السياق، يصبح الدور الأساسي في إدارة العملية السياسية اليوم بيد سلطة الأمر الواقع في السودان أكثر من أية جهة أخرى. وهي سلطة يحتكر مقاعدها حاليًا قادة الجيش وقادة الميليشيا المتحالفة معه. ولا يمكن القفز على هذه الحقيقة أو تجاوزها بخطابٍ إنشائي؛ إذ إن أي مسار واقعي للحل يبدأ من الاعتراف بمن يملك أدوات القوة على الأرض، ثم السعي إلى إخضاع هذه الأدوات لمشروع سياسي وطني واضح المعالم.
شرط نجاح سلطة الأمر الواقع في أداء دورها الجوهري، هو وعي قادتها بطبيعة المطلوب التاريخي الراهن، كما أشرنا إليه في المدخل: أي الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق بناء الدولة. ويتطلب ذلك رغبة جادة وصادقة في تجنيب البلاد مزيدًا من النزيف، عبر التركيز على إنجاز الاستحقاقات الأساسية للاجتماع السياسي الحديث، لا الاكتفاء بإدارة التوازنات العسكرية المؤقتة. كما يتطلب قدرة فعلية على ذلك، وهي قدرة تظل موضع شك في ظل تحالفات معقدة تضم مراكز قوى عسكرية واجتماعية متباينة، تشكلت وتغذت داخل حرب ذات طابع قبلي وجهوي وعقدي، أي حروب تنتمي في جوهرها إلى ما قبل شروط الدولة الحديثة.
ومن هنا تتبدى إحدى أعقد معضلات الأزمة السودانية: الفجوة بين العقل العسكري والعقل السياسي. فالعقل العسكري، بحكم تكوينه ووظيفته، مُدرَّب على تحديد التهديدات وإزالتها. وهو لا يرى في الخلاف والاختلاف إلا خطرًا يجب تحييده أو سحقه. أما العقل السياسي والاستراتيجي، فينظر إلى الخلاف ذاته بوصفه مادة قابلة للإدارة، ومصدرًا محتملًا للفرص، ومدخلًا لبناء التوافقات وصياغة الحلول المستدامة. هذه الفجوة ليست عيبًا أخلاقيًا في المؤسسة العسكرية، بل هي حدٌّ بنيوي لوظيفتها، ما لم تُخضع لقيادة سياسية مدنية رشيدة.
وعليه، فإن أحد المطلوبات المركزية لحل الأزمة السودانية يتمثل في إعادة تعريف دور الجيش: من فاعل سياسي مباشر إلى مؤسسة وطنية مهنية، تحمي الدستور ولا تصوغه، وتؤمّن الانتقال ولا تتحكم في مساره. وبالمقابل، فإن القوى المدنية مطالَبة بتجاوز حالة العجز والتشرذم، وتقديم مشروع سياسي واضح وقابل للتنفيذ، يُقنع حاملي السلاح بأن كُلفة الانسحاب المنظم من السياسة أقل من كُلفة الاستمرار فيها.
إن الخروج من الأزمة السودانية لن يتم عبر انتصار عسكري لأي طرف، بل عبر تسوية سياسية تؤسس لدولة حديثة تستوعب التعدد، وتحتكر العنف باسم القانون، وتفتح أفق التنمية بوصفها الضامن الوحيد لوحدة البلاد واستقرارها. هذه هي المعركة الحقيقية، وما عداها ليس سوى إدارة مؤقتة للفوضى.




التعليقات (0)
جاري التحميل...