حسن عثمان
ربما لن أتجشم عناء السفر إلى مدينة تستوطن أحلامي وهلوسات ليلي الطويل، وهي آخر ما ينتهي إليه المسافر مصداقًا لقول أجدادي الذين وسموها بقولهم: "فاس الماوراها ناس". هذا التوصيف الصاعد من أعماق ثقافات ومعارف سحيقة، لم يكن يسعى إلى رصد البعد الجغرافي بين فاس وبلاد السودان، بقدر ما كان إشارة مضمرة إلى أنها سدرة المنتهى، وأن كلَّ شيء ينتهي في فاس: عمران البشر، وعلومهم، وأطايب طعامهم، وجميل ملبسهم، وبديع صنع الله في قسماتهم الوضيئة. ولكن لا بدَّ من فاس... وإن طال السفر.
فبعد اختراع الآلات الطائرة والراكضة، لم يعد بوسع خطى المريد أن تتقاصر عن زيارة ضريح سيدي أحمد التجاني، قدس الله سره في العالمين. غير أن أول زيارة لفاس لم تكن برسم السياحة الروحية. كنت رفيقًا لمحمد مهدي الجواهري، أول الورثة الشعريين والشرعيين لأبي الطيب المتنبي، منذ أن أطلق رائعته: "أرِحْ ركابك من أين ومن عثر/ كفاك جيلان محمولًا على الخطر".
كانت فاس تتهيأ -وقتها- للاحتفال بعام تجاوز الألف من عمرها الطويل، ولم يكن أمامنا من خيار غير أن نسلمها أرواحنا لتغطي بها سماء المدينة من البرد الهابط من القمم الأطلسية المجاورة وسفوح إفران وإيموزار، مشبعًا برائحة البرتقال والياسمين.
تلك "الماوراها ناس"، تعرف كيف تراوغ الزمان ولا تشيخ أبدًا كما هو حال كل الحبيبات اللائي يتلفن العمر دون أن يغادرن طراوة أعمارهن الغضة، أو هكذا يبدو لنا في غبش الذكرى وحرقة الحنين.
ربما لم يكن لائقًا أن أقذفها بتهمة المراوغة، فالجميلات لا يراوغن ولا يطلبن ود عابري السبيل، وهن الأصل ومبتدأ الكلام وخبره اليقين. وها هي روحي الفانية تقف عارية أمام فاس الألفية وتتساءل عن سرِّ المدائن التي تصنع أقدار الناس وتنسج من تفاصيل حيواتهم البائدة، مزيدًا من الحكي والأساطير عن مدينة تجاوزت عامها الألف ولمّا تبلغ فطامها بعد. ولكن فاس ليست مجرد مدينة بحساب ما يميز المدن من طرقات وعمائر وزحام بغيض وطرائق مستحدثة للحياة والموت.
فاس -إن صحَّ قولي- سِفر تاريخ طويل ومكتبة عمومية مفتوحة على امتداد كيلو مترات عديدة، من باب الماكينة إلى باب السمارين، مرورًا بالبرج الجنوبي وعدوة الأندلسيين، وكل صفحة في كتاب التاريخ الفاسي، عصارة أحداث صنعتها العقول البصيرة وجرأة المغامرين وطموحات المتربصين بسدة الحكم والأمر والنهي.
والواقع أنني طالما وقفت عند سرديات الجوالين المستبصرين حال تأكيدهم أن ما يبقى من الأمكنة -كل الأمكنة- هو روح مَنْ وضعوا أول أحجارها وأطلقوا عليها اسمًا تتوارثه الأجيال والعصور.
ترى كم يلزمني من الوقت لاستحضار روح فاس، وأي إحساس سيتلبس يدًّا أتلمّس بها أول حجر وضع في باب الساكمة؟
مرهقة هذه المدينة حينما لا أراها بعيون أستاذي العلامة عبد الله الطيب، وهو يبحث عن أثرها في المعلقات وغريب الشعر العربي، وعيون عبد الحق الزروالي، وهو يفاخر بها سائر المدائن مرددًا قول ابن عربي صاحب الفتوحات المكية الذي حكم بأن المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه، وعيون موسى الخليفة، الذي اشتكى يومًا من تجاسر شجرة برتقال استطالت حتى سدت عليه منافذ الرؤية عبر شرفته في الطابق الثاني. له التحايا العاطرات أينما يكون، علَّه يستعيد ذكرى ما توافقنا عليه ذات صفاء ذهني رصين وجهزنا رواحلنا لسفر طويل نكتشف فيه بهاء المغرب بالكتابة والرسم والضحكات والأغنيات، غير أن الظلام الذي غطى الحرم الجامعي في ظهر المهراز -آنذاك- أجهض أحلامنا بعد أن أفتى البعض بحرمة توظيف أستاذ لعلم النفس يبدأ محاضراته بالحديث المكرر عن الصراع الطبقي. ومن مدعاة حمد الله أن موسى الخليفة لم يلق مصير آيت الجيد، ذلك المناضل الطبقي الشرس الذي دفع حياته ثمنًا رخيصًا للهواء النقي في مدارج ظهر المهراز.
ومع ذلك، لن أدعها تفلت من يدي وأنا لا أعرف يقينًا ما إذا كانت في أصلها الجنيني قد بدأت من دمشق أم قرطبة، أم أن أول حجر في عمرانها كان وافدًا من تمبوكتو عبر "طريق الحرير" الإفريقي. قد يكفيني كونها ماثلة للعيان سورًا بعد سور ودربًا ضيقًا بعد درب ضيق يتلوى ويفضي بك إلى ما شاء المهندس الصانع أو إلى القرويين أو ضريح سيدي أحمد التجاني، حيث تصعد الأرواح مع البخور والصلوات المحمدية عقب كل آذان. والشاهد أن تشابك مسارات فاس ودروبها العبقرية ليس إلا مدخلًا لغنى تاريخها الذي ابتدره مولاي إدريس الأول، لتتكفل به أقدار أخرى، ولينعم أو يشقى به سائر من دخلوا تحت عباءتها الفضفاضة.
وإذا كان قول أجدادي "الما وراها ناس" لم يعد لائقًا وواردًا في سياق ما عرفته المدينة طوال ألفية زمنية ويزيد، فقد يكون الأرجح أنها كانت من أوائل المدن التي أنسنت الإنسان وارتقت به من بؤس البداوة القحة إلى أعتاب التمدن وحلاوة العيش ويسر الانتقال الحر بين دروس الفقه في القرويين وموائد الطعام الفاخر في بيوتات أهل الوقت وجلسات السماع المرهف، حين تشتبك الوتريات في ساحات الغناء الأندلسي الباذخ.
وبعد، لعل أجدادي على حق في توصيفهم لهذه البدعة في تاريخ المدائن والعمران البشري، وسُرّ من رأى فاس (بضم السين وتشديد الراء) ولو في حلم عابر.
* كاتب صحفي ومترجم مقيم بالمغرب




التعليقات (0)
جاري التحميل...